Feeds:
تدوينات
تعليقات

يتعرض الإنسان لأسباب يتعطل معها حجم نتاجه وتتدنى قدرته وحيويته، ومن هذه الأسباب الهموم التي يقول بها الإنسان، ويفترض أنها فرضت نفسها عليه فطغت على كل شيء يستمد منه أو به علاقة له مع الحياة؛ فيتوجه باللوم إلى حياته بل على الدهر الذي خذله، وسار بآماله وأحلامه على طريق لا حظ معه، تقطعت أسباب استقراره ليجد أن مستقره مع الهم أصبح السمة السائدة.
وللإنسان مع الحياة والهم علاقة يتداخل معها الفهم بين الصحيح وعكسه، وقد تستعصي على الإنسان لحظة من تأمل تهدي سبيله ليدرك مكانه من همومه والداعي لها ومصدرها، فالأوراق بين يديه وأمام ناظريه ولكن العجز بأثر همومه غيّب كل قدرة على قراءتها، واستيعاب محتواها. إنها أوراق عن الحياة ونواميسها وعن الإنسان، كما أنها سطور كتبت وفي كل حرف معنى للهم كنوع له مصدر وأسباب فحلت بدعوة من داع يكره استضافتها فيأخذ به التصور أنها مرسلة أو مسلطة.
إنها قدرهُ كما يتصور، بينما قدره قد يكون غير ذلك متى أحسن التصور. ومن خلال هذا التصور يتم التداخل، وهو معقد بطبيعته فيستسلم البعض والبعض الآخر يأخذ به التأمل نحو فهم يفصل ما بين نفسه ومحصلة هذا التداخل متكئاً على تجربته، وعلى تجارب الآخرين بوعي ذاتي وفطنة. ومن تحرك بأقدام وعيه أدرك أن للحياة نواميس وسنناً، وأن الهم إفراز لعلاقة الإنسان بتلك النواميس ومدى استيعابه لها، وأن هذا الإفراز مؤشر هام بل شديد الأهمية، وفي إدراكه إدراك لأشياء كثيرة ومتعددة في النوع وفي الأثر؛ فالحياة بنواميسها وكل قوانينها لا نملك أن نعدل أو نبدل شيئاً منها، وإن أمكن افتراضاً فإنها محاولة تفسد الحياة وتشوه كل علاقة معها.
والهم من خلال مصدره ومستقره له أثر من ضيق وألم يحل بالإنسان فيعكس أثره نمط الاستجابة للكمّ والكيف، ومتى تجاوز الهمّ وظيفته بما هو إيجابي الأثر تعطلت حيوية الإنسان وكذلك الكثير من قدراته.
والإنسان يدعو الهم دون قصد، وفي بعض الأحيان دون أن يدري من خلال مواقف له مع الحياة، يستجيب معها للهم بأسباب سوء الفهم في علاقته بالحياة وقوانينها. وينطبق ذلك على فهم نفسه؛ فالإنسان بطبعه وما خلق به متحرك لا يطيق السكون، وحركته هي تفاعل مع حيز من الحياة بقوانين خاصة بهذا الحيز، وحين تخطئ الحركة طريقها يتعثر شيء في الفهم، أو نفس الإنسان فيحلّ الهم وينصرف الإنسان عن إدراك أسبابه فيستسلم ويعاني.
والاستسلام معضلة يزيد بها المدى فيزيد الهمّ، والمعاناةٌ مع جهدِ يحاول التفكُّر، ومقاومة الهم الوسيلة الأمثلُ التي يتحقق معها ما للهم من وظيفة كحافز ومنشط للحركة، وكأساس لتجربة تضاف إلى تجارب الإنسان، فيزيد رصيده منها. وهي مكتسب يغني العقل ويطمئن النفس فينبعث الأمل والتفاؤل.
وهذا المكتسب مبني على قاعدة الإفرازات التي تشيرُ من خلال حالة التراكم إلى أمور هامة قد يحسب كل أمر منها مقابلاً كل قانون للحياة أو شيء من نواميسها؛ فالإيمان والإصرار على كل عمل صالح متوَّج هذا كله بالصبر من صميم ما يفرز على طريق الحياة التي يأمل معها الإنسان بعداً عن الهموم وآثارها، وقوة العزيمة والتوجه بالإرادة العاقلة نحو هدف على الطريق مسير تبتعد معه وطأة الهموم. وإدراك ما هية الإشكال أو المشكلة وفصلهما عن ما هو تافه بدافع قوي نحل به الإشكال أو المشكلة، ونقاوم توافه الأمور التي كثيراً ما تحلّ ومعها الهم يحلّ.
بعض من الهموم يجسدها خوف الإنسان من الغدِ، أو من سقوط أدبي بوهم يحلّ به فيحلّ معه الخوف وهذا نوع من الهموم التي لا يقهرها إلا الإيمان الصارم بأن الأشياء قدر، وتحلّ بقدر، منها ما نهرب منه إلى قدر آخر، ومنها ما يتوجب القبول به طاعة وخضوعاً لمقدّرِ قادر له كل العزة والجلال، وجميعنا نخضع لقبول نؤجر عليه، ومن رفض منا فإن هذا القدر واقع لا محالة فلا الخوف ولا الرفض بقادر على حال غير الحال والخوف قد يبدو كذلك، ولكن بشيء من تأمل النفس ومراحل قد مرت بها فيكتشف أن الخوف مظهر لشيء آخر مخبوء يلزم بيانه.
والمصائب التي منها ما هو محسوب، أو ما قد يحلّ فجأة لا يدفع عنها الهم حين تصورها أو لحظة خشيتها؛ فقد يمتد الهم من ألم إلى آخر دون أن يتحقق شيء من هذا التصور، وإن حدث فلا التصور أو الخشية منها ذات أثر على الحدث وألمه.
إن الحياة بنية مستقلة وكذلك الإنسان، والتفاعل ما بينهما أمرّ لا مفر منه مادام القلب ينبض والنفس متواصل؛ فالمحاولة أو مجرد البداية نحو فهم النفس وقدرتها ومقدارها بقياس الحياة ونواميسها مسعى يتحقق معه شيء من التوازن والاتزان لهذا التفاعل على أن يسبق هذا ويتزامن معه إيمان مطلق بوعي عاقل بأن الحياة وكل نواميسها والإنسان بوعيه وإحساسه خلق مقدر، وفي المنهاج القرآني مصادر متاح تناولها تفسر لنا من قصص النفس والحياة الكثير، وتضع المنهاج الأقوم ما بين المسير والمصير.
هذه أوراقنا النفسية، وكل دعم يسمو بهذه النفس وبالحياة لا نتخلى عنه وإن حدث فالهم هو البديل، ومتى حلّ حلّ معه شيء من الضياع الذي قوام ردعه قوة النفس المطمئنة بقوة الوعي حيث المرجع، وحال الهم بما يلازمه من ضياع هو ضياع في الوسائل التي تحاوره وترصد أسبابه بنظرة تتفق ومراجعه، ومن تقاعس يوماً لن يرغب في مرجع، وإن رغب قد لا يحسن فهمه وإن أحسن الفهم قد لا يحسن العمل حيث الرغبة والفهم والعمل مراحل تأتي بالأثر بعد مجاهدة وجهاد يعمقُ مفعول كل مرحلة، وهي التي تمهد لما بعدها فلا تنافر بين شيء وآخر، فالأصل مصدر الأمن والاستقرار النفسي بعيداً عن كل هم أو تصور بالوهم يلقي بظلاله على النفس فيعكر ما صفا منها فيشقيها.
إنه حوار مع النفس بصوت مسموع، وأذن ترهف السمع لكل تجربة إنسانية بغثها وسمينها، فمحصلة ما نجرّبُ به وتجرّبُ به الحياة وعينا، والوجدان منا له من الغث نصيب ومن السمين كذلك، وما الفرق إلا في المحصلة، ولا سبيل لزوال أحدهما فالإنسان بين الصواب والخطأ سرمدي الطبع والتكوين.

كما جاء في القرآن الكريم نستنتج أن المكونات النفسية لدى الإنسان وهي الأساسية النفس اللوامة، النفس الأمارة بالسوء، والنفس المطمئنة، إلا أن نفس الإنسان تتفاعل مع الحياة والناس والإنسان نفسه من خلال مكونات مكتسبة ومن ذلك وجود الطفل في نفس رجل تجاوز العشرين من عمره وحتى وفاته

إذ نجد وجوداً للطفل من خلال بعض التصرفات والسلوك التي تشير إلى أن الطفل في داخله لا زال فاعلاً، وظاهراً أثره بما يلفت النظر، فحين نجد رجلاً تجاوز الأربعين ويمارس هوايات إن صح التبعير نقول عنها أنها فعلاً هوايات طفولية، والبعض منا يستغربها، وآخرون يشاركونه تلك الهوايات سواء كانت ذات طابع يغلب عليه اللهو، أو عادات لا نجدها إلا في سلوك الطفل الذي متى رأيناه استحسنا ما يفعله.

وعموماً لا أحد منا بقادر على التخلص من الطفل في داخله بالمطلق والفروق هنا نسبية في الاستجابة وما ينتج عنها أو في مظهرها، فاللعب مثلاً بالنسبة للطفل قد يتجسد في آلة تناسب سنه كالعربة الصغيرة وبعض من الدمى، وأمام مشهد كهذا نسر لبهجة الطفل فنهدي له ما يشبه ذلك، حيث يروق له ويفرح بها.

ونفس الباعث يعبر عن نفسه لدى الرجل في ممارسة اللعب ولكن باختلاف الوسيلة والأداة، فالبعض يميل إلى لعب الورقة وبالذات اللعبة المشهورة (البلوت)، وآخرون الشطرنج أو إعادة تركيب المجسدات. القصد أن سلوك الطفل في الرجل ظاهر بشكل أو آخر ولا حرج في ذلك إلا حين تتجاوز بالرجل وعمره إلى عمر الطفل فنفاجأ بأننا فعلاً أمام طفل صغير حتى وإن كان له من الزمن عمر الكبير.ونمط آخر من المكتسب حيث الرجل قد يسكن في داخله نموذج الأب أو الأم أو المدرس، فالبعض منا ظاهر وبين هذا الأثر وإن كان نادراً بمعنى أن مثل هذا النموذج له تواجد نسبي، والمشهد في ذلك نجده حين يتصرف أحدنا وبشكل ندرك معه أنه ليس من طبعه الذي نعرفه به، وذلك حين يغضب مثلاً فنجد أن شخصية أحد الثلاثة تتقمصه دون أن يشعر بذلك وربما أن من حوله من يدرك هذا، والمشهد نفسه أوضح كثيراً حين يعاقب الأب ابنه، فأحياناً يكون العقاب تحت تأثير من يتقمصه ويفرض شخصيته على هذا الأب، فإن اشتد به الغضب لدرجة القسوة على الابن بالضرب مثلاً فربما أن هذا رد فعل مخزون بشكل تلقائي قد لا يحس به الأب لحظتها فيتجسد في سلوك يمارسه مع ابنه كما كان والده يفعل معه، وإن كان أشد أو أقل لكن البذرة وما تثمر بأثرهما فرضت على الوالد في طفولته من أحد الشخصيات السابق ذكرها ونفس المثال، وإن كان معاكساً لما سبق، تسامح ولين وأحياناً بعض من إهمال.وما سبق بكامله ليس من الصفات التي قد نعتبرها سائدة فهي غير موروثة ولكن لها حضوراً يتحقق وفق المؤثر والأثر، أي لابد أن يفعل هذا طرف آخر الابن مثلاً، أو صديق يهوى نفس اللعبة أو الهواية فكلاهما يقوم بدور المحفز للآخر.

وجانب آخر نقول عنه ونردد الأوصاف من حوله، نرى رجلاً ومن خلال سلوك أو أمر يكلف بانجازه فنطلق عليه صفة الذكاء أو الذكاء الحاد، وآخر نطلق عليه العكس، فنصفه بالغباء أو الغباء الشديد.

لايشك أحد أن نسبية الذكاء بين الناس ليست بالتساوي، قد تفترض التشابه ولكن الفروق نؤكدها، أما لغباء فأظن أنها تستخدم مجازاً لمن ذكائه أدنى. ما أقصده أن صفة الغباء كما نرددها اصطلاح وليس صفة حيث لا يوجد أحد من الناس بهذه الصفة، ولكن الجميع أذكياء بفروق ونسب متفاوتة أدناها التي تعودنا أن نطلق عليها الغباء.وهذه الإشارة نتطرق لها بأثر أن استخدامها ربما أن مرجع اللغة ومعاجمها لتفسر الأصل والمعنى، فإن كانت صفة للحظ المقدر للإنسان من الذكاء فإن استخدامها يجب أن لا يكون مشوباً بالإهانة والتعالي، وإن تمكن أحدنا من تجنب الاستخدام لها فهو الأفضل احتراماً لإنسانية من نطلقها عليه، وقد لا نجد حرجاً أن نطلقها بنية الإهانة على من يستحق الإهانة، أو سلوك الجميع يرفضونه، فالأمر الذي نستطيع تحديده والاتفاق عليه أن من بين الناس العاقل، ومن نقول عنه مجنون أو أهبل. وهذا الذي نقول عنه مجنوناً يعاني من إعاقة عقلية ولكن التسمية انتشرت وإن كان هذا ليس المهم، فالجميع يتفق على ذلك ويسهل تحديد الفروق بين العاقل والمعتوه.

فبما أشرنا إليه أصناف لبعض الخلق، وهذا ما قدره من خلقهم، وما يقدره لابد أن يكون لنا منه موقف الإجلال والتعظيم، فهو الحكيم العليم سبحانه وتعالى، أما نحن فالأمل أن نكون عوناً لهم وليس عليهم.

كل فلسطيني يعرف عبد القادر الحسيني، والقسّام والنشاشيبي، وعبد الهادي وبقية أفراد عائلة الحسيني، وفي مقدمة من يعرف ذلك القادة في فلسطين سواء من فتح أو حماس أو بقية الفصائل، وحاضرنا يلقي بالدرس والعبرة، وأمس مليء بالدروس والعبر، فمتى يستقيم طريق الجهاد والنضال سواء كان سياسياً أو بالسلاح؟…..

…..ولنتذكر بالذات الرمز عبد القادر الحسيني والقسّام، فعبد القادر كان طالباً عاد من القاهرة إلى القدس يملؤه الأمل والسرور بقضاء إجازة ممتعة، وحين وصوله وجد القدس تشتعل، والرصاص يزاحم الحجر، ودوي المتفجرات قد ملأ سماء وأرض القدس.

إذن هي معركة بين أبناء القدس، وقوات الاستعمار البريطاني، وكان هذا في عام 1929م، وتشتد المعارك وبالذات من حول حائط البراق، وبالقرب من المسجد الأقصى. ويومها سُميت بانتفاضة 1929م، وعلى الرغم من مئات الشهداء العرب الفلسطينيين إلا أن قوات المستعمر تكبدت الكثير من القتلى والجرحى والخسائر، وبقي حائط البراق جزءاً من المسجد الأقصى الشريف، ومع عام 1929م لاح للقضية بطلٌ، إنه عبد القادر الحسيني، وتستمر الانتفاضة بلا هوادة لمعظم الأرض الفلسطينية بكاملها، ولقد كانت أوسع مما سبقها من كل انتفاضة مع أن انتفاضة 1936 التي تبعتها كانت أكبر وأشمل.

ولقد أغدق المستعمر السلاح على اليهود، وحاول منع وصول السلاح إلى المجاهدين، والسيد المتربع على عرش الطغيان المندوب السامي تشانسلور، وهو الحاكم الفعلي لفلسطين، عاد مسرعاً من لندن إلى فلسطين، والانتفاضة في مجدها، وقال عن المجاهدين ما يقال اليوم، إرهابيون وهمج ورعاع، وكأن الأرض الفلسطينية قد وهبت له ملكاً خاصا فأطلق التهديد والوعيد، وقابل ذلك وثيقة خطية وقعها موسى كاظم الحسيني رئيس اللجة التنفيذية العربية، وشارك في التوقيع معه مغنم إلياس مغنم، وعوني عبد الهادي، وجمال الحسيني مؤكدين أن مستقبل فلسطين، ومن خلال المستعمر واضحة أهدافه وأنه موجه بالعدوان على العرب لصالح اليهود الصهاينة، وقد أعدم وقتها فؤاد حجازي، وعطاء الزير، ومحمد جمجوم بقرار من المستعمر البريطاني، وتمّ ذلك في 17 يونية 1930م، وعبّر شاعر المرحلة فقال:

يا ظلام السجين خيّم

إننا نهوى الظلاما

ليس بعد الليل إلا

فجر مجدٍ يتسامى

وكان إعدامهم قد أعدّ له برنامج الساعات الثلاث يستفزّ بجانب الإعدام طريقة تنفيذه، ففي كل ساعة يتمّ إعدام واحدٍ منهم ولقد قال الشاعر إبراهيم طوقان عن الساعة الأولى (إعدام فؤاد حجازي):

أنا ساعة النفس الأبيّة

الفضل لي بالأسبقية

أنا بكر ساعات ثلاث

كلها رمز الحمية

قسماً بروحك يا فؤاد

صعدت جوانحها زكية

عاشت نفوس في سبيل

بلادها ذهبت ضحية

الساعة الثانية (محمد جمجوم)

أنا ساعة الموت المشرّف

كل ذي عقل مجيد

بطلي يحطم قيده

رمزاً لتحطيم القيود

قسماً بروح محمدٍ

تلقى الردى حلو الورود

قسماً بأمك عند موتك

وهي تهتف بالنشيد

ما نال من قدم البلاد

أجلّ من أجر الشهيد

الساعة الثالثة (عطا الزير)

أنا ساعة الرجل الصبور

أنا ساعة القلب الكبير

بطلي أشدّ على لقاء الموت

من قمم الصخور

يلقى الإله مخضّب الكفين

في يوم النشور

قسماً بروحك يا عطاء

وجنة الملك القدير

وصغارك الأشبال

تبكي الليث بالدمع الغزير

ما أنقذ الوطن المعتدي

غير صبّار جسور

ملحمة من النضال والفداء مع المستعمر البريطاني، وما قيل وبعد قيام ما يسمى بدولة إسرائيل يتواصل النضال وفق قاعدة الدفاع عن الأرض وحب الوطن وطرد المعتدي، وكان نضالاً لا يشوبه شائبة حتى بدأ نوع من صراع تجاوز القضية، وأهداف تحرير الوطن والإنسان في حاضر الأيام.

واعتقادي أن نقطة الانطلاق لأي نضال وكفاح هي إنكار الذات وأهواء النفس، فالدفاع عن الإنسان وعرضه وأرضه أسمى من كل تصور يعتمد على شخص أو سياسة معالمها الاستبداد بين المناضلين لا سياسة بل نظام وتنظيم للأدوار وفق الهدف والمصير الواحد، ثم إن كل ما يقال، ومنسوباً إلى مفهوم الشرعية هو قول لا يتفق والواقع حيث الشرعية وما تعنيه أو تشير إليه لا يمكن فهمه قبل التحرير وقيام الدولة. اما المشروع فهو حق النضال والكفاح من أجل الهدف.

وما أشرت إليه في المقدمة محاولة أذكر بها الفتح والحماس، وكل من مارس الكفاح وإلى الشعب الفلسطيني بالدرجة الأولى وليس سرداً تاريخياً بقدر ما هو معنى لبدايات الكفاح ورصداً لما يجب الالتزام به حيث اتضحت المعالم، وإن أسباب الكفاح تحرير الأرض والإنسان، ولعل في هذا ما يعين على التمسك بالكفاح حيث لا يتحمل تفرّق جمعٍ من كثير تمثّل في أحداث يتذكرها الكثير من أبناء فلسطين، واليوم الفرقة متى سمح المعنيون بها فإن ظروفها وزمانها تختلف عما سبق فالعدو أقوى من ذي قبل، ومن يسانده مندفع بلا حساب والواقع يؤكد أن الدولة المسماة بإسرائيل هي من يمارس السلطة على الأرض ويسندها في ذلك قوى الشر وبالذات حين تكون الفرقة والصراع هو المهيمن على الساحة وفي ذلك الفرصة التي إن لم تكن قد صاغتها تلك القوى الشريرة فهي تعرف وسيلة استغلالها، ولا بد أن أشير إلى فتح وإلى حماس فالتاريخ بالمرصاد يسجل، وفرصة تحليل ما يحدث متاحة وهي أقرب إلى الصواب متى أخذت بها روح الإنصاف والبعد عن الأهواء أو التحيّز لطرف على آخر أو على حسابه، فما يحدث وهو حادث لم نتصوره لكثرة ما يردده الجميع حول المحرّم والخطوط الحمراء.

إنّ ما أكتبه والألم يستبدّ بي، ولكنّ الأمل والحلّ بيد الشعب نفسه، والانحراف عن المستقيم لا يصلحه إلاّ الشعب، وفي مقدمتهم رجال نعرفهم تميّزوا بالحكمة والعقل والمقدرة التي تنبض بالوطنية وذات أبعادٍ في جذورها العربية والإسلامية.

ولعلي أؤكد بأن الأمس لم يخلُ من نواقص أخلّت بالكفاح فعجزنا عن تحقيق شيء على مدى ستين عاماً مضت، وعجزنا ليس ضعفاً بقدر ما هو فوضى في الإستراتيجية والتخطيط، واليوم تتكرر المأساة.

وفي الثلاثينيات من القرن الماضي احتدمت الخلافات بين الزعامات الفلسطينية التي كانت ممثلة بثلاث عوائل، وهي الحسيني والنشاشيبي وعبد الهادي لدرجة أنهم كادوا أن ينسوا القضية الأساسية جاعلين جلّ همهم التحريض ضد بعضهم البعض، الأمر الذي جعل الكثيرين يتبرمون ويتذمرون، وشاهد ذلك العصر الشاعر إبراهيم طوقان الشاعر الفلسطيني المرموق، فلقد قال مخاطباً الزعامات الفلسطينية تحت عنوان: (أنتم المخلصون للوطنية):

أنت المخلصون للوطنية

أنتم الحاملون عبء القضية

أنتم العاملون من غير قول

بارك الله في الزنود القوية

وبيان منكم يعادل جيشاً

بمعدات زحفه الحربية

واجتماع منكم برد علينا

غابر المجد من فتوح أمية

وخلاص البلاد صار على الباب

وجاءت أعياده الوردية

ما جحدنا أفضالكم غير أنا

لم تزول في نفوسنا أمنية

في يدينا بقية من بلاد

فاستريحوا كي لا تطير البقية

لم تسترح الزعامات، وطارت البلاد كلها مع البقية, وما أشبه الليلة بالبارحة، بالأمس عوائل تتصارع واليوم أحزاب تتقاتل بالحديد والنار الذي كان يُفترض أن يوجه إلى صدر العدو النادر في عدوانه، ويحترق فؤاد (إبراهيم طوقان) ألماً فيصف الوضع المأساوي في حرقة حيث قال:

أمامك ايها العربي يوم

تشيب لهوله سود النواصي

وأنت كما عهدتك لا تبالي

بغير مظاهر العبث الرخاص

فلا رحب القصور غداً بباق

لساكنها، ولا ضيق الخصاص

لنا خصمان ذو حول وطول(1)

وآخر ذو احتيال واقتناص(2)

تواصوا بينهم فأتى وبالاً

وإذا لالاً لنا ذاك التواصي

مناهج للإبادة واضحات

بالحسنى تنفذ والرصاص

وعلى هامش الذكرى والعبرة ففي لمحة عن قصة مختصرها أن صاحب السمو الأمير سعود بن عبد العزيز حين كان ولي عهد المؤسس رحمهم الله، وذلك في عام 14-8- 1935 كان في زيارة لفلسطين، وبعد انتهاء الزيارة رغب رحمه الله في زيارة القدس، وفي طريقه استوقفه طلاب مدرسة (عنبته الابتدائية)، وبرفقتهم المعلم عبد الرحيم محمود، وأثناء استراحة قصيرة لسموه معهم قال المعلم مخاطباً سموه رحمه الله بقوله:

يا ذا الأمير أمامك شاعر

صُمّت على الشكوى المريرة أضلعه

المسجد الأقصى أجئت تزوره

أم جئت من قبل الضياع تودعه

الأمس واليوم وإن تغيرت الألوان فلا شيء مخطط له غير السلطة بلا دولة، وعلى أرض محتلة يحكمها العدو، ويكفي مثالاً ما تعرّض له الشعب الفلسطيني من ضيق في رزقه ومعيشته، ولا زال بيد العدو أن يتلاعب بهذه الورقة، ومع كل تفهم لا أسف معه نقول: هذا عالمنا المختصر سواء الرباعية أو من يتلقى الأمر منها من دول العالم أجمع يحاربون الفلسطيني في لقمة عيشه.

إنه تعبير حضاري لم يؤرخ أحد لمثال يشبهه، فالحضارة تلك قوة على الحق وليست بقوة الحق، ومع ذلك فالشعب الفلسطيني أكثر تحضراً ومجداً وصبراً تسنده إرادة قوية وعزيمة لا يقهرها أي معتدٍ أو عدوان وإن طال مداه، وهم من نبني عليهم كل الأمل، فهل يقبلون بمثل هذا فيما بين غزّة بسكانها الذين يقاربون المليونين، والضفة العربية حيث مقر السلطة الفلسطينية.

ولذا ذكرتُ بعبد القادر الحسيني والقسّام (سوري الجنسية) المناضل العربي والكل يعرف عنه المزيد، وتعرضت إلى آخر خلاف بين عوائل يتكرر الآن بين أحزاب (عوائل كبيرة)، فعلى الجميع مخافة الله والحرص على الوطن والقضية وذلك يستدعي الكثير من الحكمة ومعالجة الموقف برؤية بعيدة النظر تتجاوز الصح أو الخطأ ما دام أن الصح الأكبر تحرير الأرض وعودة أبنائها.

ارفقوا بالقضية وبنا قبل فوات الأوان وقهر الظالم القريب منا مكاناً والأبعد، وما دعوتهم لاجتماعات مشبوهة إلا مسعى يحقق أغراضاً لا علاقة لها بالقضية، ولكنه التورط وخبث المقاصد.

(1) الإنجليز

(2) الصهاينة

معادلات يستقيم بها التفكير الموضوعي حينما يكون ذا منهج يبتعد عن السلبيات، ويقترب من موضوع التفكير، وقد تزّود بالوسائل التي تتميز بها النتائج، ومن ذلك سعة الأفق الذي به يقتدر الخيال الخلاق على صياغة الإطار

الذي يحتوي الموضوع وأبعاده الإيجابية والسلبية.يلي ذلك الفهم المجرد من كل أثر يغيّب الإحاطة بأصل الموضوع وما هو في دائرته، وبالخيال الخلاق والفهم تتحقق المرحلة الأساس للتفكير الموضوعي.

والتفكير الموضوعي من خلال الأساس يطوّع أسباب التحليل والنتائج التي ترتبط به، أو هي وليدة لعملية التحليل ليتمكن بعد ذلك من اتخاذ القرار المناسب الأقرب إلى موضوع التفكير؛ فتتميز النتائج التي تلي القرار.

وبعد ذلك يتضح الهدف الذي لا نصل إليه إلا حين نفعّل الإرادة التي تأخذنا إليه دون تردد أو تراجع، فالتردد سبب للتراجع، وهذا يحدث حين يتداخل التفكير بلا منهاج يقود خطاه.

وربما أن فقدان الثقة بالنفس، وبعضاً من مركبات النقص يؤثران من خلال دور تتحقق معه الإمكانية والتمكن من القرار اللازم والمناسب ليتم بعد ذلك التوجه وفق القرار والرؤية.

والخيال الخلاق أهم من الفهم وإن كان الفهم وسيلة من وسائل التفكير المنهجي، إلا أن التناسب بين الخيال الخلاق والفهم يحقق حالة من التكامل لكن الفهم يعتمد على معطيات مكتسبة تؤثر على المخزون العقلي، وربما أن حالة من التداخل أو التناقص أكثر وجوداً تلحق بالفهم.

والفهم وليد التعلم أياً كان مصدره ونوعه، والتعلم لا يخلو من التلقين في أحيان كثيرة سواء عن طريق من يَعْلم، أو يُعلّم لشيء محدد، أو من مصادر متعددة يعتمد عليها الإنسان في ممارسة الفهم بما في ذلك الكتاب والجريدة والمجلة، وكل ما هو متاح للقراءة أو المشاهدة أو الاستماع.

بينما الخيال الخلاق دائرته عقل الإنسان مباشرة بوسائل الإبداع التي يتمكن منها العقل بكل ما هو مخزون في الذاكرة، أو من أمام العقل قبل أن يصل إلى الذاكرة كتراكم معرفي، ومن خلال الصورة والتصور المجرد حول الموضوع يتمكن هذا العقل بالخيال الخلاق من الإبداع، أو على الأقل أن يستقيم تفكيره بما يحققه للموضوع من نجاح وتفوق.

كما أن حالة الذكاء والفطنة تشكلان أساساً مهماً ندركه حين ندرك النتائج، والفهم وفق مصادره قد تلونه الأسطورة، وبعض من رؤى يكتسبها الإنسان من الغير قائمة على مفاهيم تفتقر إلى معنى فكري له خلفية تبرر التعامل معه، أو الأخذ به.

ومجالات التفكير المنهجي تأخذ دوراً فعالاً ومهماً في أمور قد تتعلق بالإنسان نفسه، والأهم من ذلك حين يتعلق الأمر بالغير، ويستمر في حالة تصاعدية حتى يصل إلى مصير الأمة وفق مسؤولية الإنسان نحو أمته.

ما سبق يتعلق بالتفكير المنهجي عن مستوى الفرد، وبعض من أهميته حينما يتعلق بالأمة، وفي أمور معينة قد يستخدم هذا الإمكان في حالة يشترك فيها أكثر من فرد حين التشاور، أو التفكير بصوت عالٍ ومشترك.

ومن محاسن هذا أن كل فكرة لفرد تستفزّ قدرة التفكير المنهجي لدى فرد آخر، وبهذا تكون النتائج في معظم الأحيان أقرب إلى الصواب ونرى هذا في مجالس الشورى، وفي الاجتماعات الوزارية، وكذلك بين جمع من القادة العسكريين وهم يخططون لمهماتٍ مصير الأمة معلق بها.

كما نرى ذلك في أي تجمع لأفراد يناقشون موضوعاً محدداً، وعلى هامش هذا الطرح نشير إلى الأهمية البالغة للقراءة؛ فقراءة أي كتاب عبارة عن مؤثر خارج الذات يخلق حالة من الإيحاء يتحول بعد ذلك إلى إيحاء ذاتي يمارسه الإنسان على نفسه، وحتى يتم تفعيله؛ فالتفكير المنهجي هو الحكم حين يتلقى، ولهذا نجد التباين في الأثر لدى عدد محدود مثلا حين يقرأ كل منهم الكتاب نفسه، فأحدهم يأخذ الأمر بالتسليم الشامل وآخر يحاكم ما يقرأ ويحلل ويتأمل، وبعد ذلك يحدد قيمة ما يقرأ وأهميته.

كما أن شؤون الحياة المختلفة تفرض علينا أن نتناول المعقد منها، أو السهل برؤية منهجية، وتفكير موضوعي لنتمكن من تجاوز المصاعب أو حلها.

وجدير بهذا الموضوع أن ينبه إلى حالة قد نعاني منها جميعاً؛ تلك التي مصدرها تراكم التوافه في حياتنا حيث يتعكّر المزاج فلا صفاء للعقل، ولا هدوء للنفس، وحالة كتلك كل ما يصدر معها أقرب للخطأ من الصواب، والإشارة إلى مثل هذا الأمر لا تعني أن هناك حلاً يُطبّق يستفيد منه الجميع في حالة ذاتية اجتماعية وأسرية، ومن خلال العمل أيضاً تتراكم هذه التوافه، وكلٌ أقدر على مواجهتها بطريقته الخاصة، والمهم أن يدرك أنها توافه.

وبشكل عام فإن العقل والتفكير، وما ينتج عن ذلك هو في القمة بالنسبة للإنسان وحياته، فربما أن التوجه بالعقل والفكر على طريق الموضوعية ووفق منهاج أساسه تجربة الإنسان مع العقل والحياة.

التفكير والتفكر عملية عقلية لا تعتمد مباشرة على شيء من المؤثرات الحسية الخارجية ولكن أدواته المفاهيم التي تتكون لدى الإنسان في مراحله الأولى (السنوات الخمس من عمره غالباً) وذلك من واقع معايشته لكل ما حوله سواء ما يسكن في ذاكرته أو من خلال التعليم،

وعملية التعليم ترمز إلى معاني الأشياء،

ومجموع هذه المفاهيم أو بعضها يكون المبادئ، والقواعد التي على أساسها تتكون القدرة على التفكير.

وبهذه القدرة نستطيع أن نحول الأشياء إلى معانٍ مفهومة، ولهذا فإن السنوات الخمس بعد الولادة تشكل الأساس في بناء شخصية الإنسان دون تناقض بين المنهج والتطبيق يضاف إلى هذا ما يرثه من جينات ووفق طبيعة ما خُلق به.وأن يُخلق الإنسان على الفطرة فإن ذلك ليس في أمور العقيدة فقط، بل هو بالفطرة في أحسن تقويم، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (4) سورة التين، وكل أمر يتطور به إما أن يكون تطوراً حسنا أو سيئا، {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا} (79)سورة النساء. وحتى يكون هذا التطور وفق محتوى تفكيري راشد وشخصية سوية، فإن هذا يعتمد على الأساس الذي بدأ مع تطوره في مراحله المبكرة، وعلى هذا الأساس سيدرك الإنسان قيم العقيدة والمجتمع وما توجه به الفطرة، وهذا يهيئه إلى مراحل أفضل يتطور من خلالها بالتعليم والخبرة وتجارب الحياة.

ولعل من الأمثلة التي تتفق وهذا السياق بعض من اللمحات عن رينيه ديكارت، الذي ولد في عام 1596، ولم يكمل دراسته بل كان كارهاً لها، وقد ترك الدراسة النظامية معتمداً على دافع ملح محتواه أن البداية في أن يتعمق في نفسه ليعرف ما أمكن عنها، وما حول نفسه من عوالم الكون والحياة.

ولمرحلة من حياته اعتزل كل شيء، وأنزوى مع نفسه في هولندا عشرين سنة، ومما لاحظه واستنتجه أنه يفكر فهو موجود، وأن لهذا الوجود خالقاً، فكان يقرّ بوجوده، وهو الذي قال ما معناه (ألاحظ اختلاف الناس فيما يفكرون به، وأن الحواس تخدعنا في كثير من الأحيان، وكذلك العقل).

ولقد سبقه في هذا الإدراك أبو حامد الغزالي، وهذا هو الأساس للشك المنهجي الذي كان من محصلته تساؤلات أو بعض من تساؤلات عن الكون والإنسان، ومن يدبر أمرها، حيث يؤكد أن العلم بهذا الكون والإنسان قد لا يكون بالعقل فقط حيث العقل كثيرا ما يؤدي بنا إلى الخطأ والزلل، وعلى هذا الأساس فنحن عرضة للشك في وجود الله، وبهذا ينهدم علمنا بأجمعه ومع ذلك ستبقى أمامي حقيقة واحدة تبقى أمام الشك الجارف، وستظل ثابتة لا تميل أمام عاصفة الأفكار وتقلباتها، بل ستزداد يقيناً بالشك والإنكار، وتلك الحقيقة هي أن هناك ذاتاً تشك، فإن من الشك نفسه تتولد حقيقة لا سبل إلى الطعن بها، وبوجودها، وهي وجود الذات التي تشك، وما دمت أشك فأنا أفكر.

ومن هذ المنطلق يصل إلى إثبات وجود الله حيث يشير في قوله أنك إذا استعرضت أفكارك صادقت بينها فكرة ممتازة، وهي فكرة الذات الأزلية والأنانية، بينما الإنسان كائن نهائي محدود وبديهي، والصورة لا يمكن أن تكون أشمل من أصلها، وألا يكون المسبب أكبر من سببه حيث يستحيل أن يتفرع الشيء من لا شيء، وإذن لا يمكن أن تنشأ ذات لا نهائية من كائن نهائي محدود.

ومن هنا حق علينا أن نسلم بوجود الله الجامع لكل صفات الكمال، وهو الذي خلق في الإنسان هذه الفكرة وألهمه إياها، فالله تعالى موجود وليس في وجوده شك.والإشارة إلى ديكارت ورحلته مع الشك المنهجي، ومن خلال معادلات فلسفية يصل إلى حقيقة بالنسبة لنا نحن المسلمون جاء بها رسولنا الكريم، وتنزل بها وحي عظيم، ولا أدري بتفاصيل ما لديه من اطلاع حول العقائد، إلا أن شيئاً قد خُلق في البشر أخذ به مع الشك المنهجي ما بين العقل والفطرة، وكان للعقل مهمة التحليل والتصور، أما حقيقة ما اهتدى إليه فهو بأثر الفطرة التي خُلقت لحظة خُلق ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) وربما أن ديكارت له من هذا نصيب، كما أن استعراض أمر كهذا من خلال رحلته مع الكون والإنسان حتى يصل إلى نتيجة تؤكد أن لا شيء خُلق عبثاً في هذا الوجود بل محكم تدبيره بأمر الله، والخلاصة أنه بالمعرفة والتفكير في الكون والإنسان اهتدى إلى أن هذا كله له خالق ومدبر، وبهذا تحقق له الاستقرار النفسي الذي أدى إلى تصالحه مع نفسه حيث قمة ما يتوجب إدراكه أن الإنسان فيما يدرك، أو ما لا يدرك ليس من صياغة الطبيعة أو وليد الصدفة بل له خالق قادر قدير، وجبار مهيمن. وفي قصة (حي بن يقظان) لابن طفيل معنى ومعان حول الفطرة وأثرها في حياة البشر، فمن سارت به الفطرة استقام له الطريق.

تسأل صديقك عن حاله وفي الغالب يكون جوابه كالعادة، فهو في حالة من الرتابة كما تدل على ذلك إجابته. وحال كتلك معرضة أن يصيبها إحباط وتراجع في الحيوية، وهذه الظاهرة لها انعكاس سلبي على الفرد، وبالتالي على المجتمع وتناقص في قدرته الإنتاجية، وأجزم أن الكل يبحث عن الحل كما أبحث عن ذلك لنفسي، فلنسأل لماذا ونبحث عن مكمن السبب.

وفي اعتقادي أن من وراء ذلك مجموعة من الأسباب، منها أسباب أسرية، وبعض من خلل في علاقة الفرد بالصديق أو القريب، وهذا على مستوى شخصي، أما الأسباب التي قد تنطبق غالباً على الكثير منا فيمكن تلخيصها على النحو التالي:

الوعي وطبيعة الإحساس، فالوعي يعين على فهم الدافع وكذلك السبب ويقدر على تحليله والبحث عن أكثر من مخرج، والإحساس يلعب دوراً مهماً، فقد تزداد رهافة الحس فيكون الاستقبال لما حوله أو يأتي إليه مصدر قلق، ومعه تتداخل أحاسيس على غيرها من الأحاسيس فترتبك النفس.

أو أسباب تتعلق باقتصاديات الفرد فتشح لدى فئة فيعاني أفرادها من فوضى الصرف ما بين العجز والرغبة، ومسؤوليته تجاه أفراد أسرته، كما أن الغنى قد يؤدي لدى البعض إلى فوضى نفسية لأسباب منها الشح والطمع والعجز عن توظيف أمواله بالشكل الصحيح والمثمر، فهو في حالة من القلق ما بين الخسارة والربح، بل أصبح مملوكاً لماله وليس بالمالك.

ولمن يعنيه حال الأمة فالإعلام وهو يؤدي رسالته ينقل من الأخبار المدعمة بمشاهد حية ما يؤذي النفس ويقتل الأمل والاطمئنان، وكل فرد يخرج بانطباع نفسي يشتد أو ينعدم الإحساس مع تلك المشاهد حيث التكرار، وكلاهما لا يرى إشراقة لمستقبل واعد.

وأمر آخر على درجة من الأهمية والتأثير، وذلك ما يتعلق بالعقيدة، فنجد البعض قد التزم الوسطية، والآخر يبالغ متزمتاً برفض معظم ما حوله، والأخير مفرط بضمير يحاسبه، أو مفرط لا يحس بأثر لتفريطه، ولكل حالة أثرها على النفس وبالذات جانبها الروحي. كما أن العلم والمعرفة من أسباب سعة الأفق، وهذا أنجع الوسائل لحوار مع النفس تنجلي معه بعض من رواسب النفس.

ومن الأسباب ما هو في دائرة العرف والتقاليد، فيستجيب لها البعض كأمر لا بد منه مفروض ومسلم به دون مراجعة أو فرز لما يتوجب الحفاظ عليه وترك ما هو عبء على العقل والنفس وانسياب الحركة بين أفراد المجتمع.

ومن الأسباب علاقة الفرد بالأقرباء، فالدين والعرف والواجب يحتم صلة الرحم بدون تقصير، قد يصاحبه إحساس بعدم المبالاة.

أو إن إحساسه بذلك يخلق حالة من عتب الضمير بما يؤثر سلباً على استقراره النفسي.

وشيء آخر، أن البعض منّا قد يمارس بعض القيم بطريقة خاطئة. فمثلاً الكرم، قد يتصور البعض أن إكرامه للآخرين دون إتاحة الفرصة لهم لإكرامه سلوك سوي، وهذا يخل بالقيمة ويؤثر على النفوس.

ومن المؤكد أن الأمن النفسي وبتراكمه دافع لأمن المجتمع بأكمله، فبالإيمان والوعي تتحطم منعطفات من حول النفس نراها على غير ما هي كسبب أساسي دون أن نعرف، فنحسّ بالضيق دون أن ندرك أن ضيق الصدر من ضيق الوعي، وحيث إن الأقدار والقضاء بيد الله عزَّ وجلَّ وهذا اعتقاد يؤكد ما للعقيدة من واجب وأثر على النفس، بل إن كل الأمور بقضاء وقدر فما الداعي للخوف والفوضى النفسية، فالتركيز على دواعي ما ينظم علاقة الفرد بكل شيء هو حياة بالنسبة له، وبالقدر الممكن والمستطاع، ومن وراء هذا ومن أمامه توكل على الله وآمِن بقدرته ومشيئته ورحمته.

وفي المنهاج القرآني الكثير مما تطمئن به النفوس، والكثير مما يصقل الوعي فيدرك أحدنا ويسلم أن النفس البشرية من آيات الله سبحانه وتعالى قد ندرك بعضاً من ملامحها ونجهل الكثير، ووفق المشيئة الربانية تأخذ بنا إرادة الله إلى خير ما نتمنى متى أدركنا أن كل إساءة للنفس نحن مصدرها، وفي الإحسان إليها نعمة من الله، فمن توافر له هذا الرصيد الروحي العظيم واعتمد عليه، ومن ثم على وعيه، فلا مجال للخوف أو ارتباك النفس حيث قال الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}(38) سورة البقرة.

ولقد قال بعزة جلاله {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}(29) سورة الإسراء. وهذا توجيه لا أعتقد أنه خاص بالمال فقط، بل كل الأمور التي تؤكد الحلّ من خلال الوسطية. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال). كما أن استيعاب المشكلة مكمن الحل، وأن تسليط العقل على خلجات النفس عائد بالأمن إن شاء الله.

أن يكتب أحدنا بدافع من مشاعره، واعتماداً على ما يحب أو يكره، وكذلك ما يتمنى ويرفض لأمر مختلف عن الكتابة بدافع من هذا كله، ومضاف إليه المؤكد من معلومات وبعض من تفاصيل الحدث الذي نحن بصدده. الصورة من أمامي قد تكون رمادية أو ظلامية أو هلامية،،،،،

فمصادر الأخبار متناقضة وغير موثقة بالطريقة التي تمكن من جلاء الحقيقة، ولا سيما أن الموضوع بين طرفين كل منهما له توجه مختلف يعتمد معه سياسة قد يتبين معها التباين أو حدة في الاختلاف والخلاف.

فلقد استمعت إلى حديث الأخ خالد مشعل فأحسست أنني في حالة من التفاؤل، وأقرب إلى أن أقتنع بمعظم ما قال به، وسمعت وشاهدت محللين لكل منهم وجهة نظره.

وأخيراً الكل استمع إلى خطاب الأخ أبو مازن، وأمام حديث الأخ خالد مشعل مقابل حديث الأخ أبو مازن يكمن الإشكال، ويصعب الاستنتاج.

وفريدمان كتب مقالاً (في جريدة الشرق الأوسط) ركز من خلاله على لبس الأقنعة لمقاتلي حماس وفتح، وانتهى إلى ما انتهى إليه، والله أعلم.

وكتب الأستاذ الكبير أمين هويدي وأصاب في تفاؤله بتشكيل لجنة تقصي على أثر انعقاد مجلس وزارء الخارجية العرب، ومع ذلك فالغامض يزداد في أيامنا تلك التي آمل ألا تطول.

وعلى هامش ما حدث وكل ما يحدث فمن الأرجح أن من يقاتل أخاه وشريكه في الوطن والأمل والهدف والمصير يشير إلى أن الجميع تنازلوا وتراجعوا عن جوهر القضية (تحرير الأرض والإنسان)، وأعطوا الفرصة لعدوهم أن يوجه بوصلته وفق أقصى ما يتمنى، ويكشف عن كل مخبوء يفوق كل ما سبق من قتل للحياة، وللإنسان، ولا سيما أن الدولة التي ترعاه تلتقي قيادتها بقيادة المحتلّ، وليس في الأمر صدفة كما أتوقع، وسبق ذلك كثير من أفعال وأقوال وتصريحات تنسجم ومخطط قائم نعاني منه في العراق ولبنان والأرض المحتلة، وقد يكون القادم أشد وطأة على المنطقة بكاملها.

الأمر خطير على قضيتنا التي تجاوزت قسوتها وتاريخها عقوداً تقترب من عقدها السادس، فإن أحسّ بذلك وما سبقه وما يليه الشعب العربي والإسلامي، وقاد هذا الإحساس قادة الأمة العربية -وفقهم الله- لحماية أمن وسلامة الأجيال القادمة، ومن هو شاهد على هذا العصر، وألا يتركوا الأمر دون قرار وخطة عمل لا تنازل معها أو تراجع، حازمة، صارمة لتكون بيد وزراء الخارجية والأمين العام للجامعة العربية لعلاج الخطيئة أيا كان مصدرها؛ فالنتائج التي نأملها وسترسم مستقبلنا القادم وفق معادلات تؤثر وتفعَّل من خلال إجماع يتمخض عنه خطة عمل تتصدى لما يحدث في الأرض المحتلة بين الفريقين، وعلى كل مستوى سواء كان إقليميا أو دولياً.

بمعنى آخر القضاء على خطر قبل أن يستفحل من خلال قرارات مختلفة شكلاً وموضوعاً، قرارات تطبق فوراً على كل المستويات التي أشرت إليها، فالحال تجاوزت الأخذ والعطاء والتشاور، بل كل ما هو سياسي إلى مرحلة تتطلب موقفاً حازماً لا أدري هل يحسب على السياسة التقليدية أم على الحزم وإدراك المصير الواحد، والموقف القاطع مقدور عليه، وفي طاقة الأمة وقادتها لا سيما أن هناك نية إلى عقد مؤتمرات دولية أو الدعوة إليها، هل نشارك ونشرك الصديق والعدو حيث أي قرار من خلال هذا المؤتمر يذكرنا بما وصلت إليه الحال التي شارك في صياغتها (كامب ديفيد واوسلو)، فلابد من قرار عربي وإسلامي مسؤول يلحق به عمل مطابق نأمل معه العلاج والحل.

فيما أكتب يتحتم أن أشير إلى أن هذه المحاولة أقرب إلى جهد الرؤية، والاجتهاد باب مفتوح تعبر من خلاله كل الآراء والتصورات، ومن بيده القرار وسلطة العمل أقدر على الاختيار والحركة التي لابد منها أمام أحداث تمزق الوطن العربي.

فالعراق مأساة، ويكفي مثال واحد، فالذي غادر العراق ضيفا على بعض الدول العربية من واقع معاناته يكفي كدافع لحركة إيجابية مؤثرة، ولبنان على وشك أن يكرر ماضياً لا ينسى، ساد فيه الحقد والكراهية والانتصار للطائفية على حساب الوطن، وفلسطين تواجه وتوجّه صدمة للتاريخ الفلسطيني بالذات، والعربي بشكل أعم.

وإن تركنا الأمور على غاربها أو ملامسة الحل فستلحق بالأمة وأرضها آثار من هذا المنعطف التاريخي، ونؤكد للعالم أننا أمة تنازلت عن حق تمسكنا به على مدى العقود الست الماضية لنفرط فيه بعد ذلك، وأصبحنا مثل من يلامس الجسد المريض ويمسح على رأسه، وكل ما في جعبته ليس بأكثر من تمني العاجز، وسيدفع بالطامعين والأعداء إلى مواقف شرسة محسوبة على ما سبقها من شراسة عانينا منها أول لحظة خضعت أرض عربية إلى استعمار أجنبي طاغ.

اليوم له غد، وكلاهما له أمس، دعونا ننسى كل أمس مضى إلا أمس أضاء بالإيمان والعزيمة والحزم والبصيرة والتبصر الذي تحقق معه، وبه أمجاد ليس الهدف أن نستردها، ويكفينا درء أخطار لها ملامح واضحة جلية لا يجوز أن تغيب عنها حسابات تأخذ بها دلالات حسابية على قاعدة المكان والزمان والإمكان، فليكن زماناً ومكاناً وإمكانا يحقق بكل الوسائل ما يحسب على بداية لإمكان يصيغ زمانه ومكانه القدرة والإرادة، ولا سيما أننا مع البدايات التي تلون الصورة التي قد تم رسمها مسبقاً، فشنين الكارثة يدفع بنا إلى أن نراجع ماضي الأدوار التي ساهمت في أحداث اليوم وبين شركاء النضال.

أدوار قد تكون إقليمية أو دولية، وأمر آخر، فمنا من أخذ بالحكمة فهو يحاول لملمة ما تبعثر من جوهر القضية، وآخر أخذت به العجلة نحو إجراءات تزيد من التهاب الجرح وعنف المأساة. إنها محطات للتفكير والاستنتاج ليستقيم التفكير؛ فالمؤتمر الرباعي الذي انعقد وانتهى والكل قد تابع نتائجه، وعلى الرغم من أن هذا المؤتمر قد قيل إن النية بانعقاده سبقت الأحداث التي لا زال لهيب نيرانها في تصاعد لا يعلم بمداه وأثره إلا الله عز وجل، وبعيداً عن كل الشكوك أو التخبط في الاجتهادات فلا يستطيع أحد أن يراهن أو يساوم على دور قاهرة المعز، وكل اجتهاد تبذله وبذلته من أجل القضية فلسطين، وفلسطين القضية، وبحكم الدور القيادي لها فالأمل معقود على أمرين، الأول: ما طالب به فخامة الرئيس محمد حسني مبارك حول الحوار واعتماده كوسيلة للحل، والأمل أن يقفو جهد مصر كلها حتى يتحقق ذلك. وما سبقه من إجراءات هنا أو هناك تشملها محفظة الحدث بكامله، والثاني: وهو أمر لا إضافة عليه، فمن خلال الاتفاق الذي تم بدعوة من المملكة العربية السعودية من خلال نبض قائدها مع قضايا الأمة، والمكان أطهر بقعة في العالم (بيت الله الحرام) معززاً ذلك كله باتفاق في رحابه قطع الطريق على كل المخاوف واطمأنت معه النفوس، وجاءت الفاجعة بتطور أشرنا إلى تعدد ما قيل ويقال بشأنه، ومع ذلك فإن للأمل رحاباً في قلب خادم الحرمين الشريفين -وفقه الله -وأن يوفق الله ما أعلنته القاهرة لنرى التطبيق العملي لما أعلن عنه ليأخذ مكانه بين الفريقين، وهما من المسؤولية في القمة حول كل حل يضمن بقاء القضية ما بين مسؤولية المقاومة الراشدة والجهد السياسي المتزن، وكلا الفريقين (فريق تحتم علينا أن نقول عنه بكل أسف فريقين) ولا مخرج لما نعاني منه إلا من خلال ما سبق الإشارة إليه دون أن يقحم أو يقتحم هذا الإشكال طرف عهدنا منه الإفساد والظلم، وازدواجية المعايير.

القضية عربية، والحل يحتم أن يكون عربياً، وليس في ذلك من حواجز أو سدود تعيق تفعيله ليخرج بأفضل النتائج إن شاء الله.

ولكنه لن يخرج بأفضل النتائج إذا استمر كل فريق يتحامل على الآخر بالكلمة، وما نجهله من أفعال؛ فالقضية كانت في مأزق وكل أبناء الأمة من وراء الشعب الفلسطيني المناضل بالدعم والعطاء والمشاركة الفعالة، واليوم انشطرت القضية إلى قضيتين أو أكثر، وهذا ما لا نطيقه ولا نفهم دواعيه، وإن اجتهادنا في فهم هذه الدواعي فإنه لا تبرر ما حدث، ولسنا بصدد ما هو صحيح أو خطأ بقدر ما يعنينا من المبررات، فالسؤال ما هو المبرر الذي أدى للحدث؟

لقد سمعنا من يقول عن الأمة العربية بأنها ظاهرة صوتية، وأخشى أن أحداث اليوم تؤكد ذلك، وأخيراً يجب أن ندرك أهمية الوقت، فالحسم لا يتحمل ولا يقبل أي تأخير أو تباطؤ أو مناورات أو تآمرات من أي طرف كان، دعونا في سباق مع النصر ولا غير، فلنحدق في كل الأدوار المسؤولة عن صالح القضية والمسؤولة أيضاً عن صالح قضايا ضد القضية، فعسى أن تكشف لنا الأيام ما يضمن مسيرة الجبارين نحو أهداف كبيرة تحرر الإنسان والأرض من طغيان قل مثيله على مدى التاريخ الموغل في قدمه، أو بعض مما نعيشه في عصرنا هذا.