|
إنّ أعاصير الرياح لا تهبُّ بالأتربة الجرداء من النّدى إلاّ حين تجفُّ أرضية الإنسان من الحب، وترابية الإنسان قد هذّبتها الروح فاستقرت مكوّنات الإنسان بجسده وروحه، حيث تلوّنت بسموِّ العاطفة التي أودعها خالق الإنسان عزّ وجلّ، والتي بها تتخلّق كلُّ العلاقات الإنسانية، وما يترتب عليها من واجب ومسؤولية. |
|
والعاطفة رادفٌ إنسانيٌّ واجتماعيٌّ بل حقيقة يحرص عليها كل من يدرك أنّ للحب التزاماً ونتائج، وكل التزام يُنجزُ في حينه وبالجهد المخلص يحرك أثراً من السرور والرضى على النفس، وهذا كله لا يتم حين اضطراب العاطفة وفوضى الوجدان. |
|
وبعضٌ من العاطفة فطريُّ النشأة والوجود، وبعضٌ آخر يُكتسب؛ فمحبة الوالدين عاطفة متميّزة يكبر بها الإنسان، وما يلحق بها من التزام حيث البرّ بالوالدين أمرَ الله به، واقترن بعبادته عزّ وجلّ، والحب الذي يؤدي إلى واجب صلة الرحم من أسمى عواطفنا الإنسانية. |
|
وهذا هو الحب الفطري، أمّا المكتسب فأقرب الأمثلة أن تؤدي حالة من التعارف إلى صداقة حقّة تنمو في أحضان الحب بكل واجباتها، ومسؤولية الارتباط بها. |
|
والحب بمعانيه المختلفة، ودوافعه المتعدّدة جاء به الذكر الحكيم في قوله عزّ وجلّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (87) سورة المائدة، وقوله سبحانه: {قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (32) سورة آل عمران وقوله عزّ وجلّ: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }(31) سورة آل عمران. |
|
والحديث القدسيُّ إشارة إلى الحب، وتوجيه كريم حيث الحديث وفق النص: (من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب. وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه. وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصرُ به، ويده التي يبطشُ بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنّه). |
|
وعن الحب وأثره يقول الشاعر: |
|
الحبُّ روحُ الكون لولاه لما |
|
عاشت به الأحياء بضع ثواني |
|
الحبّ ينبوع الحياة تفجّرت |
|
من راحتيه سعادة الأكوان |
|
وللحب سيكولوجية درسها الباحث النفسي، ومنها أن ّالحب ذو أنماطٍ ودوافع؛ فمجنون ليلى ألهبه وزاد ألمه لهفته على ليلى، وقد عبّر عن هذا بالكثير من أشجانه، كما صوَّر شكسبير من خلال روميو وجوليت ملحمته المؤثرة، وكذلك المنفلوطي حين رقّت نفسه وتأثّر بمعاناة ماجدولين فكان هذا هو دافعها لترجمتها. كما أنّ فولتير عانى من آلامٍ مصادرها عدّة رصدها الدكتور طه حسين في كتاب (آلام فولتير). |
|
يأخذ بنا هذا إلى مشهد يشير بالكآبة لدى هؤلاء، والمدرسة التحليلية تؤمن أنّ الكآبة تنشأ في بعض الأحيان من فقدان الحب الذي يؤدي إلى امتصاص الشحنة الوجدانية من نفس المكتئب كنتيجة لتسلُّط شيء من قواه الخفية على ذاته باللوم والعقاب، ويتكرر الاكتئاب مرات ومرات حيث الوجدان في حالة من الضيق الذي يتسع بموضوع الحب. |
|
وقد يسأل أحدنا عن الحب من أول نظرة، أو ذلك الذي يعتبر وليد ساعته. واقع الأمر أنّ مثل هذا الحب يحدث كثيراً، ولكن وفق سيكولوجية تفسِّر الحالة، حيث إنّ أول نظرة أو الزمن الذي نعبر عنه (بوليد الساعة) يعتبر حالة من الإثارة يستجيب لها الوجدان الذي تراكمت بالطبيعة التي تشكِّل ما اكتشفه الإنسان من الأنماط الوجدانية والمعرفية في المخ، وهذا يؤدي إلى إدراك الكامن داخل المخ كنتيجة للإثارة التي تؤدي إلى الاستجابة من واقع ما هو كامن في مركزه بالمخ. |
|
ونلاحظ أنّ اللقاء الأول أو الحب من أول نظرة أو ذلك الذي يعتبر وليد ساعته يحدث من خلال المؤثر أو الإثارة فيستجيب ما هو مخلوق في المخ لهذه الوظيفة العضوية العاطفية، حيث يتكون انعكاساً ليس مصدره من نحب أو لا نحب؛ فأنا لا أراك كما أنت ولكنني أراك كما أنت موجودٌ في داخلي، وهذا ناتج لما هو كائنٌ في المخ، وهو محسوب على النفس والوجدان. |
|
والمصدر لهذا هو المركز الجامع للمدارك والخبرة والمعرفة التي سبق أن تكوّنت بالمخ، وامتداد للموضوع الذي هو محسوب على الوجدان، له مداركه الخاصة به ومعارفه وخبرته في مجال الحب الفطري؛ فمثلاً المشاعر المتبادلة والرابط بين الأم والابن محصلة مثل هذه المشاعر، وتلك العلاقة تتبيّن نتائجها حين الإقدام على الزواج، وحين لا يتم الزواج بالرفض سواء من طرف الابن أو البنت، فالخبرة المتراكمة والمعرفة ومجموع الأحاسيس التي تم تناولها بين الأم والابن أو الابنة، فإن كانت سارة مليئة بالحنان فإنّ اختياره لشريكة الحياة يتأثّر بخبراته التي تواجدت أثناء الطفولة، فإن كان محظياً بالحنان وتحيط به عاطفة عاقلة فإنّ هذا يقوده إلى اختيار ما هو متفق وخبراته. |
|
وحين يأخذ الشبه بالشكل فإنّ النتائج تكون عكسية، وربما أدّت إلى حالة من الاستجناس، وفي القصة المعروفة والمسمّاة (بعقدة أوديب) كثير من التفاصيل حول هذا، ومن الأمثلة في موضوع الاستجناس نتذكّر (مايكل أنجلو) النحّات المشهور، وكذلك برناردو ديفنشي، فحسب تحليل مدرسة فرويد أنّ ميولهم للاستجناس وجّهت طاقتهم، وكل الشحنات لديهم إلى الفن؛ (فمايكل أنجلو) أبدع في (البيتا)، وديفنشي أمضى سبع سنوات يرسم (الموناليزا) حيث إنّ كلاًّ منهما كبت الشحنة الوجدانية ووجّهها إلى طاقات إنتاجية فنية قد شابها بعضٌ من الحزن، فالقلوب العامرة بالحب تملك نعمة كبرى عائدها كثير من اطمئنان النفس، وتميّز في علاقة الإنسان والتزامه بصلة الرحم وبالناس. |
|
فالكراهية يتبعها أشباه لها كالحقد والحسد والغيرة المفرطة ورفض الآخر شكلاً وموضوعاً، فلا تسامح ولا عفو ولا رحمة، فلقد تجمّدت ذاتيّتهم وتحوّلت إلى صخور جافة فيمرون بالحياة ويخرجون وقد أبقوا من علامات الشر ما يدنِّس المفهوم الإنساني. |
|
والحب استقراره في الوجدان طريق إلى الخالق سبحانه وتعالى، فمحبته سبحانه ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكل الأنبياء والرسل عليهم السلام عمق وبُعد في روح العقيدة ليصل الإنسان بعد انتقاله برحمة الله من الحياة العابرة إلى حياة الخلود ونعيمها الدائم، فمن منّا لا يحب حياة الآخرة بكلِّ ما نعرفه عنها من نعيم! |
|
وعاطفة الحب بعد ذلك لا تهبط بنا ولا يتأثّر شيء من بريقها حيث أمرُ الخالق الذي اقترن بعبادته من خلال طاقة الحب للوالدين والبرّ بهما، وذلك أسمى معاني الحب، وأعظم التزام بالواجب والمسؤولية، كما أنّ هذه العاطفة نفسها هي من تسخِّرنا لفلذات أكبادنا فنعطي بلا حدود، ونُعينهم بكلِّ امتنان ورضى على حياة كريمة مستقرة. |
|
كما أنّ العاطفة وفق طاقة الحب مدخلٌ رحبٌ للتسامح والعفو والسمو حيث قال الحق سبحانه: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (134)سورة آل عمران. |
|
وأمرٌ كهذا لا يقوى عليه من اختلت به الكراهية، فالقدرة نحو هذا السلوك لا بدّ وأن يعزِّزها قدر من حب الناس وحب الخير لهم. ولنا علاقة لا تنقطع بالآخرين، ومنهم الصديق والعدو، وعن هذا المجال قال الحق سبحانه وتعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (34) سورة فصلت وهو إعجازٌ لا يقوى عليه الإنسان إلاّ بطاقة الحب حين يكون منهاجاً وطبعاً. |
|
كما أنّ الإحسان والصدقة والشفقة جميعهم ينضوون تحت عباءة الحب، وفي هذا رضى للخالق بعزّة جلاله، ومطلق جماله. وهو حافزٌ للرضى على النفس بأثر الاطمئنان من خلال العطاء والشراكة بين الإنسان وأخيه. |
|
ومن المؤكّد والثابت بالنسبة لنا كمسلمين أنّ أشياء كثيرة تحيط بنا، ولكن ما هو في الطليعة وما هو سبب لوجودنا على هذا الكوكب عقيدتنا التي نكبر بها، ونسمو وبالذات من خلال المنهاج القرآني العظيم؛ فأفضل سلوك يتميّز به الإنسان في الأصل جاء به المنهاج القرآني بتمام وكمال لا مثيل له، فعسى أن يديم الله بفضله هذه النعمة تفعِّلنا ونفعِّلها على طريق الحياة، والعين ترصد وتتمنى رحمة الخالق عزّ وجلّ. |
أرسلت فى الجزيره 2007 | Leave a Comment »
للحق وهو ضد الباطل مجالات تتميز به، فكل ما هو صحيح حق، وكل ما هو نافع حق، وكل خدمة يقدمها الإنسان لإخيه بإيثار وإخلاص حق، ومحبة النفس البناءة بدون مبالغة أو أنانية حق. وهكذا، ولعل سيادة الحق على الضمير الإنساني الوسيلة المثلى مع مشوار الحياة،…..
… كما أن الحياة بالحق تصفو وتُغري أن يتشبث بها الإنسان؛ فالأشياء تتميز بالحق والدنيا كذلك.
والحق متى كان الحادي فالطريق يستقيم، والوصول مأمون. وعلى هذا الأساس فإن الحق والإرادة، والحق والحياة أساس لكل من يعقل سواء تعلق الأمر بالنفس البشرية أو المجتمع؛ فكل شيء نعرفه بالممارسة أو الفهم إما أن يقرّه الحق، أو يتَّصف بالباطل.
وفيما يتعلق بالنفس البشرية التي مطلبها الاطمئنان والتصالح، فإن الحق في هذه الحالة هو المصدر لكل ما يتعلق بالملكة الروحية، والجهد الذي يتوجب أن نبذله في السعي نحو مواجهة الضمير والإصغاء لمكوناته التي صاغتها الفطرة نقية طاهرة، إنه الحق صاغها من واقع المعتقد، ومكارم الأخلاق التي تُفعلها وتصونها إرادة قوية لإنسان يعنيه الجانب النفسي وحالته من الداخل؛ فمن الداخل يواجه الإنسان الحق والباطل فتأخذ الإرادة دورها في صياغة الداخل لينعكس على السلوك الذي يرضي النفس، ويرضي الآخرين (وإن كان الرضا أمراً نسبياً). والحق هو جملة الخير في النفس البشرية، حيث بتفعيله تطمئن النفوس ويسود الأمن الاجتماعي.
إنّ انتصار الحق بقوة الإرادة على الشر وهو باطل طريق يقربنا إلى صياغة حضارية نزهو بها ونعتز، وهذه الحالة التي يتفاعل معها الحق والإرادة داخل النفس حالة متصلة بتواصل العمر؛ فالإنسان أمام متغيرات من الداخل ويتأثر بها بصفة دائمة، وحتى يكون بمنأى من الاضطراب النفسي، فصيانة الحق في نفسه بفعل الإرادة الحازمة أمن وأمان، ومزيدٌ من الفرص التي يتعمق معها جانب الخير، وينتصر على جوانب الشر التي لا تكف عن الصراع مع الخير. وبالحق نصون النفس من غلبة الأهواء ومطالب اللذة، وهي وهم تؤكده مصادرها.
إن من كان الحق أصل معتقده، وعلى أساسه تتكون بنية الأخلاق والقيم فهو الأقوى أمام مصاعب الطريق، والأكثر اطمئناناً واستقراراً، وهو الأقرب إلى البهجة والأمل والتفاؤل.
وللباطل مع النفس ما هو عكس ذلك، وللإرادة شأن في انتصار بواعث الخير على الشر (الحق على الباطل) وهذه هي المحصلة لمعنى الحق والإرادة.
أما الحق والحياة، فالنفس تتأثر بكل وافد من خارج الذات أو ما يحدث خارجها، فمن خلال الحق متى كان جوهر الحياة تتجسد أسباب الاطمئنان، حيث لا اطمئنان مع حياة كل ما فيها باطل، أو أن تكون بيئة الإنسان الخاصة والعامة الغالب عليها باطل، وحينها يتحول مناخ الحياة التي لها سنن ونواميس إلى مناخ لا توجه خطاه، ولا يشكل بناؤه ما يمكن الإنسان من الأمن والاطمئنان، وذلك لغياب الحق.
ولعل من أمثلة ذلك الحروب وما تؤدي إليه من نتائج وهي التي تلوث الحياة، وتستدعي الفوضى والخوف، وأمراً مشابهاً في أثره كالفقر والجوع والجهل والمرض، ومع الحق فإن الحياة تخلو من هذه الصفات الطاردة لأمن الإنسان، ونموه وازدهار حياته.
فالحق وهو الذي يؤسس العدل والرخاء، والأمن والسلام غاية ما نطلب أن يسود سواء في داخل النفس، أو أن تتميز به الحياة، فأي تأسيس متميز للنفس وهو شأن داخلي، وذاتي يفقد أثره متى انحسر الحق من الحياة، فكلا الأمرين متلازمان، ومع ذلك فإن مطلب الكمال غير وارد، فالمطلب معادلة تخضع لحساب نسبي، وهكذا فإن الحياة بالحق مصدر تعيه الملكة الروحية التي تقوى بالحق وتعطي الحياة من ذات الحق ما تقوى به الحياة، حيث تكتسب معها كل غاية أو وسيلة متميزة.
فسعي الإنسان محفوفٌ بالمصاعب والعثرات، وهو الأحوج إلى صفاء العقل الذي يستمده من صفاء النفس، حيث لا صفاء للنفس إلا براحة الضمير، والتصالح مع المكونات النفسية من نفس أمارة بالسوء، ونفس مطمئنة، ونفس لوامة، فمعادلة الحق والإرادة بجانب الحق والحياة مثل الداء والدواء لاطمئنان النفس لتنطلق نحو عطاء يتواصل للذات وللمجتمع والوطن.
ولا شيء يستطيع أن يحتل من النفس أو يبرمج الحياة مثلما يستطيعه الحق، فنحن في جهادٍ متواصل، وحاجتنا إلى الإرادة القوية حقيقة بها نسعى نحو الحق، أما الحياة فلندعها تقوى بسننها ونواميسها التي أراد الله أن تكون بها.
والخلاصة أن تمكّن الحق من الحياة، وتفعيله ليستقر به الضمير فيسمو ويُلقي بظلاله على سلوكنا، وقبله على دواخل النفس التي لا تكف براكينها بين حين وآخر عن التفجر، فلا سكينة مع ذلك، حيث كل السكينة مبعثها الحق ثم الحق.
أرسلت فى الجزيره 2007 | Leave a Comment »
العبقرية والموهبة والصدفة والخلفية لهم علاقة بما يقال عنه اختراع، كما أن الحاجة أم الاختراع، كل هذا من القول السائد في هذا المجال.
أما العبقرية فأمرها موضع جدل، قد تستخدم كمصطلح لحدة الذكاء ولكن لا دور للإنسان في وجودها؛…..
…أما العبقرية فأمرها موضع جدل، قد تستخدم كمصطلح لحدة الذكاء ولكن لا دور للإنسان في وجودها؛ فهي منحة من الخالق يخص بها من يشاء من خلقه، ومن خلال منظور يعتمد على التشريح نجد أن من صفته حدة الذكاء تزيد لديه تجاعيد مقدمة المخ، وبكثرتها يزداد الذكاء، إذن فهي ليست وجوداً تخلقه الإرادة، والموهبة من ظاهر المعنى تُمنَح وليس بقادر على ذلك إلا رب العالمين سبحانه وتعالى.
أما الصدفة فلا نجزم أنها وراء كل اكتشاف، ولكنها تلعب دوراً فعالاً في ذلك، ويتأكد دورها بوجود خلفية لدى العالم في مجال الاكتشاف، ومن الأمثلة على هذا الجاذبية الأرضية؛ فلقد أخذت الصدفة بنيوتن حين سقطت التفاحة من شجرتها على رأسه مما دفعه إلى التفكير والاستنتاج، ومن ثم النتيجة التي أكد بها قانون الجاذبية، فالأمر هنا خاضع للصدفة لرجل موهوب، فالتفاحة أو ما شابهها قد سقطت على أعداد لا تحصى من بني البشر، ومع ذلك فلا أحد منهم اكتشف قانون الجاذبية الأرضية، وعدد من الناس قد رمى حجراً إلى أعلى فعاد ساقطاً إلى أسفل بفعل هذا القانون، ومع ذلك لم يخطر على باله أو بال أحد منهم.
إذن بجانب الصدفة لابد من الخلفية، أو بالأصح فالصدفة زمن محدد لا قيمة له في مجال ما يكتشف دون خلفية للرجل الذي يكتشف شيئاً -ظاهره وباطنه- جديداً ومثيراً وفعالاً على مستوى العلم، ومن يستسلم له راغباً أو كارهاً حين يتأكد من حقيقة الاكتشاف وأهميته، فماذا عن خلفية (إسحاق نيوتن)؟
هو رجل له ولع وبحوث في علوم الميكانيكا، وهو صاحب الفضل الذي أسهب في إيضاح بداية السببية وأساسها، فالرجل الكبير قدم إجابات أمينة لما دار في ذهن أرسطو مثلاً، وذلك خلال الفترة 1642 – 1727م، فلقد تأكد لديه أن الكون عالم لا يقبل العبثية، ولا هو منسوب له بل هو الذي أسهب في تأكيد أن هذا الكون عالم دقيق الإحكام مكتمل في جوانب تكوينه وكونه.
ونيوتن الذي ولد بعد عام من وفاة (جاليلو) سار بعشق على خطاه دارساً ما يتعلق به وجوداً وبحوثاً واكتشافات، ولما تميّز به من قدرة فذة أعانت مشواره على خطى (جاليلو)، فتيسر له أن درس في جامعة كمبردج، وتميّز على أقرانه بقدرات تفوق من سواه، وذلك في عام 1660 وحتى 1667، كما طور حساباً صاغ نظريات ذات الحدين في الرياضيات، كما طور حساب التفاضل والتكامل فهو من ألف الكتاب المشهور (المبادئ الرياضية في فلسفة الطبيعة).
وشهرة مضمون الكتاب أنها تمثل أعظم ما أنجزه العقل البشري، وهو من قال عن نفسه (لو كان بإمكاني أن أرى بعيداً فذلك لأنني أقف على أكتاف العمالقة).
والخلاصة أن (إسحاق نيوتن) كان شديد الاهتمام بعلم الميكانيكا، وهذا قد يمثل الصدفة التي جاءت بقانون الجاذبية الأرضية، فالفرصة تتوفر في حياة كل الناس وتصيد الموهوب كما يصيدها، فيخرج باكتشاف هو خطوة إلى الأمام في معرفة الكون بما أذن الله به، فالغيب يحجب عنا أكثر مما نعرف أو قد عرفناه.
والمعرفة بالأشياء الكونية لا تأتي مرة واحدة لشخص بعينه، فهي تراكم لما تفاعل بين المكان والزمان والإمكان لدى بعض البشر، حلقات يكملها الخلف لما فعله السلف ومطلق العلم بما شاء الحق عزّ وجلّ خص به الأنبياء والرسل، ومن خلالهم كانت الانطلاقة نحو أفق أبعد، وإدراك أوسع.
وعن النفس، قال الحق عزّ وجلّ: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}، وعن العقل قال سبحانه: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}، وليس عبثاً ولا صدفة أن أول سورة نزلت على رسول الحق -صلى الله عليه وسلم- بدأت بكلمة (اقرأ)، يقول تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، وكذلك ما جاء عن القلم؛ حيث يقول المولى عزّ وجلّ: {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ}، فالكون استوى من أجل الإنسان، وهو مدعو لمعرفة ما أمكن وماهو متاح ومأذون به.
ومقولة إن التفاحة سقطت على رأس نيوتن، وأدى هذا السقوط إلى اكتشاف قانون الجاذبية ليس من مصدر يؤكدها، ولا يجوز ذلك فالأمر ليس بهذه البساطة، والمصادر تؤكد أنها قصة غير حقيقية تختصر الاكتشاف، وإن ما له علاقة بهذه القصة كان خيالاً وحواراً في عقل نيوتن من خلال الافتراض والتصوّر، ثم البحث فالتطبيق ومن ثم الاستنتاج وإثباته.
ووقفة مع التصور نحاول معها تذكر ظروف وجهد نيوتن وغيره من علماء الاكتشاف الكوني، فإن هذه الوقفة تنتهي بنا إلى أن العلم التجريبي وماهو تطبيق له أساس لكل نهضة وتقدم، فبالعلم نكون كما نحن كائنون بديننا الحنيف، فالمنى كله أن نكون من علماء هذا العصر مع ريادة المعتقد لدينا، ومن يتمنى يستطيع أن يتخيل واقعاً غير هذا الواقع الراكد الذي تحركه الماديات لا العقول، ولاسيما أن أمة الإسلام تضمّن كتابها العظيم دعوة لإعمال العقل والأخذ بالعلم والمعرفة.. فهل نكون؟!
أرسلت فى الجزيره 2007 | Leave a Comment »
|
بنية الإنسان لا تنفصل عن عصره، وكذلك طبعه وإن تغيّرَ وجدانه من عصر إلى عصر؛ فمكونات الإنسان الأساسية تنمو، أو تتجمد بمدى الاستجابة لمعطيات عصره، وتفاعله معها. وحالة التفاعل تلك تعتمد على استجابة مصدرها ذات الإنسان، وأخرى خارج الذات. |
|
وتتباين النتائج والحالة الانفعالية من الداخل، والتباين فيما هو خارج الذات أقل بكثير بين الناس؛ فيد الإنسان الواحد مثل أيادي الجميع ولكن بصمة الإصبع ليست كذلك، فالإنسان من الداخل من المحتمل أن يكون كذلك، فلوجدانه بصمة تتباين عن من سواه، ويتبع ذلك الاستجابة والانفعال والنتائج. وفيما يتعلق بما هو خارج الذات سواء كان أثراً أو مؤثراً، أو حاجة لازمة لحياته، فالتباين بالحد الأدنى إن وجد، فما نحتاجه في الأساس متشابه، ونتساوى في طلبه، وممارسته، فكل الوسائل التي بها نمارس الحياة لا تختلف في الجوهر، وإن اختلفت في الشكل، نتعرض لشمس واحدة، ونهار وليل ومأكل ومشرب، ومركب ووسيلة اتصال، ويتبع ذلك البقية من منظومة الحياة، فالتحصيل العلمي، أو الأدبي، أو ما هو في مجال القيم فجميعهم يمضون ومصدر واحد، وإن اختلفت التفاصيل من حيث الاستجابة باستثناء الطبيعي منها؛ كالشمس مثلاً. إن هذه المقدمة مدخل نحاول معه تفسير الدوافع والأسباب، وكذلك النتائج للحروب، والتطاحن في عصرنا هذا، وما سبقه من عصور، وبالذات العصر الجاهلي. فالحروب من منظور تاريخي يصعب تعدادها، والإحاطة بالأسباب التي أدت إليها، وما حققت من نتائج، ومن المنظور الإنساني؛ فإن الحروب بوسائلها من عدة وعتاد قد لا تكون وسيلة للحسم بقدر ما هي دمار يحلّ بالإنسان، وفي الوقت نفسه إنها تعقد أمور المعتدي والمعتدى عليه. |
|
وفي القرن المنصرم وما قبله تمادت دول اعتمدت على قوتها، وشنت حروباً طاحنة انتهت بالفشل والهزيمة في معظم الأحيان، وعلى سبيل المثال حرب فيتنام، كما أن مطامع هتلر انتهت بانتحاره، ومتى انتحر القائد فهو أبلغ إعلان عن الهزيمة، وكذلك العدوان الأمريكي على اليابان حيث استخدمت معه ولأول مرة القنبلة المدمرة، وذلك على هورشيما، وإن حُسب نصراً لأمريكا، أو هزيمة فواقع اليابن المعاصر دليل على حيوية الأمم، وإن الحروب لا تحسم أمراً، ولا تجلب من المصالح غير المشروعة شيئاً، وقد تكون حافزاً للتطور بكل أنواعه، وبالذات الاقتصادي كما في اليابان. وفي هذا العصر الذي نعيش زمانه نجد أن قادة لدول أخذت بها معطيات القوة، وكذلك الأدعاء بقيم لا وجود لها إلى شن حروب طاحنة مضاف إلى هذا سلوكها الذي به تدعي مصالحاً لها، وواقع الأمر أنها ازدواجية في السعي نحو مصالح غير مشروعة، وأمثلة ذلك من هو رأس حربة لها، وبعض من دول المنطقة. |
|
فمن يشن الحرب ويبيد الإنسان والأرض، ومن عليها بدعم من طرف آخر منحاز له يجعل من باطله حقاً، وفي هذه الحالة إنها حرب بالنيابة عنه، فهو المسؤول عن أسبابها، والمساءل عن دوافعها، وما تؤدي إليه. |
|
وعصرنا هذا لم يقل شاعره بمثل ما قال به شعراء العصر الجاهلي عن الحرب، والدافع لها، والأثر الناتج عنها، فقصائدهم تحليلٌ لواقع النفس، وتداخل المشاعر، وتبدل هذه الحالة النفسية بانفعال يتناقض مع غيره؛ فهو صراع نفسي أملته طبيعة العصر. |
|
ففي العصر الجاهلي أنماط عدة من يقاتل بها دافعه في ذلك القوة والشراسة؛ حيث معطيات الحروب وأهوالها ونتائجها تكسب المقاتل قدرة على كتمان الإحساس الإنساني، ونمو ميول العدوان والشراسة على كل إحساس بالرحمة والشفقة، ونرى هذا النمط في قصيدة لعمرو بن كلثوم، ومنها: |
|
نشق بها رؤوس القوم شقاً |
|
ونختلب الرقاب فتختلينا |
|
وإن الضغن بعد الضغن يبدو |
|
عليك ويخرج الداء الدفينا |
|
نجذ رؤوسهم في غير بر |
|
فما يدرون ماذا يتقونا |
|
ومن صفات مقاتل العصر الجاهلي الحقد المرير، لا يستطيع إخفائه، ويعتبرها حافزاً لحسن الأداء في ساحة الوغي؛ فهذا عنترة بن شداد، وقد تلبسته حالة من الحقد المرير، وإن أظهر سبباً؛ حيث يصف حالته من خلال قصيدة ومنها: |
|
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر |
|
للحرب دائرة على إبني ضمضم |
|
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما |
|
والناذرين إذا لقيتهما دم |
|
ومن دوافع المقاتل في ذلك العصر النشوة والسيادة حيث يعتبرها حافزاً يقوى به، ولقد جسد ذلك عمرو بن كلثوم حيث يتباهى حين يذل أحد من أعدائه فقال: |
|
وكنا الأيمنين إذا التقينا |
|
وكان الأيسرين بنو أبينا |
|
فصالوا صولة فيمن يليهم |
|
وصلنا صولة فيمن يلينا |
|
ويلحق بما سبق من الصفات صفة أخرى؛ الصبر والتجلد، وهذه الصفة عبر عنها عمرو بن كلثوم حيث قال: |
|
معاذ الإله أن تنوح نساؤنا |
|
على هالك أو أن تضج من القتل |
|
وكذلك عمرو بن معدِ يكرب يقول: |
|
كم من أخ لي صالح |
|
بوأته بيدي لحدا |
|
ما إن جزعت ولا هلع |
|
تُ ولا يرد بكاي زندا |
|
وعلى الرغم من الصفات التي جسدها الشعر، إلا أن شيئاً من الشعور الإنساني كان بارزاً لدى مقاتل العصر الجاهلي، فهذا عنترة بن شداد فارس الميدان كان مليئاً بالشعور الإنساني حيث قال: |
|
يدعون عنترة والرماح كأنها |
|
أشطان بئر في لبان الأدهم |
|
مازلت أرميهم بثغرة نحره |
|
ولبانه حتى تسربل بالدم |
|
وأزور من وقع القنا بلبانه |
|
وشكى إليّ بعبرة وتحمحم |
|
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى |
|
ولكان لو علم الكلام مكلم |
|
وجانب آخر يتمثل في نفورهم من الحرب حرصاً على وأد الفتنة، وما يلحق بها، فعن حرب داحس والغبراء، وما كانت عليه؛ دفع زهير بن أبي سلمى ليقول: |
|
يمينا لنعم السيدان وجدتما |
|
على كل حال من سحيل ومبرم |
|
تداركتما عبسا وذبيان بعدما |
|
تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم |
|
وقد قلتما أن ندرك السلم واسعا |
|
بمال ومعروف من الأمر نسلم |
|
فأصبحتما منهما على خير موطن |
|
بعيدين فيها من عقوق ومآثم |
|
فمن مُبلغ الأحلاف عني رسالة |
|
وذبيان هل أقسمتم كل مقسم |
|
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم |
|
ليخفى وما يكتم الله يعلم |
|
ولقد اتصف المقاتل في ذلك العصر بالإنصاف حيث إعجابهم بالعدو فينسى أحدهم طغيان الذات فتهدأ النفس بصفاء العقل؛ حيث قال عنترة بن شداد: |
|
ومدجج كره الكمات نزاله |
|
لا ممعن هرباً ولا مستسلم |
|
جاءت له كفي بعاجل طعنة |
|
بمثقف صدق الكعوب مقوم |
|
فشككت بالرمح الأصم ثيابه |
|
ليس الكريم على القنا بمحرم |
|
ولعل التطرق لهذا الموضوع مزيج من إعجاب لا يخلُّ بالإنصاف أو الحكم، وبجانب هذا الإعجاب بعض من المآخذ، ومع ذلك فإن حروب العصر الجاهلي بأسبابها ونتائجها ومنطلقاتها أبعد ما تكون عن حروب العصر التي تطبعت بالظلم والقهر، وتحريف المعنى، والأسباب بجانب قدرتها على تدمير ما تحتله من أرض، وباستخدام المحرم من الأسلحة، ولا أستبعد يوماً تتنافس فيه بعض من الدول في استخدام قنابلها النووية، فمتى تجرد المحارب وقائده من أخلاق الحرب ومشروعيتها، فلابد أن يفعل الأشد، والأعنف لغرض تدمير وفق معادلة تتعلق بمصالحه غير المشروعة، كما يخشى كلمة الهزيمة. |
|
وبالنسبة للعصر الجاهلي فوسائله، وعدته لا مقارنة فيما بينها، بين أسلحة اليوم، ولقد كان عصراً جاهلياً، ومع ذلك قال رسول الحق صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). إن المحصلة ليست مقارنة بين عصر وآخر، والقصد أن ما كان في العصر الجاهلي أقل وطأة، فهو أقرب إلى الصراع الاجتماعي والإنساني بهدف إثبات الذات للشخص وقبيلته، ومن يمعن النظر لما يحدث في عصرنا هذا لما وجد من عبارات الوصف ما يمكن من الفهم، ويؤكد الحيرة؛ حيث منطق القوة، وليس منطق الحق هو السائد، وما هو أبعد من ذلك، والظلم والعدوان وسيلة لحروب غير مبررة، وبالذات ما نحن شهود عليه في منطقتنا وديارنا، فأصبحنا تحت تأثير هاجس تداخلت معه كل المفاهيم، وتاه منا المخرج.أليس عجيباً وغريباً ومنكراً أن يُقتل يومياً الخمسون أو المائة أو أكثر؟ ولا نعلم من القاتل، ومن هو المحارب، فالقتلة غزاة بسندٍ من المرتزقة، ومن في حساب الإرهابيين، وكثير مما يقال. |
|
ومن جانب آخر ذلك الأمر المهم جداً، والمتعلق بألم إنسان معاناته طال مداها؛ بما قراب الستين عاماً، حيث استعصى على دول العالم أن ترد الظلم والطغيان والقهر، ولا ندري متى يجد هذا العالم حلا ينبثق عنه العدل والإنصاف ورد الحقوق. فالأرض تسرق، والإنسان يُقتل ومع ذلك فبعض من الدول تصف إنسانه بالمعتدي والإرهابي، وتحاصره في قوته، ولقد احتار الفهم بين الإرهابي، ومن يذود عن أرضه وشرف الإنسان عليها، حتى وأن قالوا عن من يقاوم العدوان إرهابياً؛ فهو بطل المقاومة المشروعة. |
|
فالسؤال: ما هي الوسيلة التي بها يحرر أرضه وعرضه؟ وكذلك ما هي الوسائل التي يفترض أن تكون بيده؟ وفي عصرنا، وما قبله اغتصبت أراض وعدوان على إنسان هذه الأرض ومع ذلك تحررت، فمن حقنا أن نسأل كيف تم ذلك، وبأي وسيلة كان؟. |
أرسلت فى الجزيره 2007 | Leave a Comment »
إرهابٌ، إرعابٌ، جريمة، كراهية، بعضٌ من مفردات نستعين بها للتعريف والدلالة على فعل ينال من الإنسان في كرامته أو شرفه وأمنه، فضلاً عن حرمة دمه.
الامتنان والشكر والعرفان والإعجاب أيضاً، بعضٌ من مفردات تحمل مشاعرنا وتعبّر عنها، فواقع الحال أن معظمنا في حالة من تداخل الشيء وضده أمام مشهد يصعب تصوره أو استيعاب رموزه، وفي الوقت نفسه نحن أمام أداء متميّز لرجل الأمن يغمره إحساس بالفخر والاعتزاز لذا أتوجه بكل عبارات الامتنان والشكر والعرفان إلى فارس الأمن الأمين، وللجهاز الذي أعدَّه قدرةً وحساً وأداءً، ومن خلال كل العبارات أعبرُ عن عجزي بأن أفهم أو أتصور ما جاء في بيان وزارة الداخلية فضلاً عن تصور نجاح المخطط الذي تربى معظم رموزه في نفس الوطن، وتنعَّموا بما أنعم الله به علينا كشريك مواطنة وأخٍ لا تمتدّ له يد بسوء، ولكن من استبدت به مشاعر الكراهية لنفسه فكراهيةُ أقرب قريب لا يستحيل الإحساس بها.
هؤلاء الرهط عن دراية أو بدون كارهون لأنفسهم، وسمتهم السخط على كل شيء من حولهم، ومن هذه حاله فالخافي أمرّ وأدهى، فزاوية تفكيرهم انحرفت خارج حدود القياس، والنفس لديهم في أسوأ حالاتها، وقد صادر كل مكوناتها شيطان رجيم، ومن خلال هذا هم إرعابيون، وإرهابيون مجرمون.
أي فساد في الأرض يمكن أن نشاهده بما هو أوضح في ملامحه ومضمونه من مشهد كهذا، إنهم حفاة عراة من كل لباس إنساني أو حيواني؛ فعملٌ نهايته سفك دماء بريئة، واعتداء آثم على الاقتصاد، وكل ما نعموا وننعم به في وطن آمن، فأي اعتداء على أمنه تمهيد لفوضى عارمة لا يعلم إلا الله كيف ستكون، وإلى ماذا ستؤدي؟
ومن هذا المنطلق فالشكر بأصدق معانيه، والامتنان لفارس الأمن الأمين أن وفق الله جهده، فهو من أجهض هذا الفعل العاري من أي تسمية إلا أن زلزلته مصدرها أرضية النفس لدى كل واحد من هؤلاء، وهذا أسوأ أنواع الزلازل.
ومن ناحية أخرى فإن أمر الإرهاب أصبح من حيث التسمية يتطلب موقفاً وتمعناً لا بصدد الاسم، ولكن التسمية ذات صلة بمرض يفوق ما سواه، وأي مرض لا بد أن يشخص ويعرف بالاسم، وفي هذا ما يعين على معرفة تفاصيل مهمة، وأياً كانت التسمية المهم الاتفاق دولياً عليها بعد الدراسة والتقصي، وإن أدركنا مخالفة البعض لمطلب كهذا، وهم من يغذي الإرهاب حيث أصبح لديهم وسيلة لغايات مشبوهة، وبادعاء القضاء عليه تمتد أذرعتهم الطويلة هنا وهناك، والأمر واضح من خلال المشهد الذي من حولنا حيث مكانه بؤرة لنموه، إنها أماكن ليست بعيدة عنَّا.
وهذا ما يتوجب معه تشخيص المسمى والقصد للإرهاب على أوسع نطاق، وما المانع أن تبدأ بذلك جامعة الدول العربية من خلال تعريف يُشخص الحالة بالنسبة لنا، ولتعين الجامعة منظمات حقوق الإنسان وذلك من خلال ورقة عمل متفق عليها بالنسبة للتعريف والقصد والمعنى على أن تدرس الأسباب والبيئة والأهداف، وهنا لا بد من تواجد علماء نفس واجتماع وسياسة وغيرهم على أن تُقدمَ هذه الورقة إلى ما أمكن من المحافل الدولية، فالتشخيص يحدد مدخلاً نعرفُ من خلاله بقية التفاصيل بما في ذلك الجهات التي تُغذي الفعل، فمن يسمون بالقاعدة عرفنا أدوارهم والرموز منهم، ولكن هناك ما هو أكثر من قاعدة تؤدي إلى نفس النتائج بذرائع مصلحتها، وربما ما هو أبعد من ذلك.
وتعريف اللفظ سهل أمره، وبالعودة إلى قواميس اللغات يتبين ذلك، غير أن الملحّ تعريفه سياسياً وإنسانياً باتفاق يستوعب أكبر عدد ممكن من دول العالم، إنه اقتراح وليس بوعظ فما أخشاه أن يتمادى المستفيد كمبرر لغايات معروفة، فالمطلب لا يخرج عن مفهوم الدفاع والوقاية.
ألا يوافقني القارئ الكريم إذا ما تساءلت عن أن كثيراً من دول العالم يشكو ويدعي عجزه أمام هذه الطامة الكرى التي أصبحت من حولنا روتين حياة تعودها المشاهد، وهي مصيبة كبرى لمن تقع به. أحمدُ الله أن فارس الأمن الأمين في بلدي لا يشكو من عجز، ولا نراه مقصراً أو متخاذلاً في مسؤوليته، فمن حقه ومن حقنا أن نفخر ونعتز بكل مؤسساتنا الأمنية ورجالها، ومن سماتهم الحكمة وبعد النظر، والشواهد بين أيدينا وأمام أبصارنا، وذاكرة التاريخ كريمة مع كل باحث أو مَن يتحرى الحقيقة.
أرسلت فى الجزيره 2007 | Leave a Comment »
|
انبثاق أي حضارة، وحتى تسود ويعمّ كل أثر لها على الأمة فارضة نفسها على عوالم أخرى بقدرقيمها وتقدم محتواها الإنساني والعلمي، فإن وجودها بما تسود به محرك لمسار الأمة بتفاعل يمتد إلى ماهو أبعد، ويلزم ذلك وفي المقدمة الإنسان، وبعد ذلك كل الوسائل التي تصيغ المحتوى والمعالم، فالإنسان هو الأساس في البناء والهدم أيضاً. |
||||||||||||
|
وبمراجعة ماض كان لنا، وبقدر إيماننا واستيعابنا ينبثق الأمل، وهو أمل قد يراه البعض شيئاً من التمني، أو أنه ضرب من خيال مفرغ من وسائل تمكن منه، وهذه رؤية تقف بالزمن دون حراك، وتجمد المكان والإمكان وباستعراض سريع لماض تليد تتبين أشياء، فلقد كان لنا دولة ودول في الوقت الذي لم يكن على وجه الأرض دول ذات أثر، وكان لنا صولات وجولات، ومن حولنا من لا يجرؤ على أن يصول، وكانت مسيرتنا متى اعترضها سيف قابلناه بسيوف وإن تحركت قوة واجهناها بما هو أقوى لوأد الظلم والطغيان، ورفعنا من شأن الإنسان وفق شريعة تكرمه وتمنحه أمل الدنيا والآخرة، وسارت بنا روح العدل بما أسكت كل ظلم، والسؤال كيف، ولماذا؟ |
||||||||||||
|
فهل نتذكر قول شاعرنا:
|
أرسلت فى الجزيره 2007 | Leave a Comment »
|
للحياة نواميسها الثابتة وغير الممكن تعديل شيء منها، يقابل ذلك أن الإنسان قد زود بعقل ووجدان، ويعزز ذلك الإرادة، ومن خلال تلك الوسائل يتمكن الإنسان من التعامل والتكيف مع تلك النواميس، وحتى يتحقق هذا الهدف فإن الحكمة وسعة الأفق خير عون على ذلك، ولعل من الأمثلة التي يحتذى بها – وهي نبراس وقدوة – ما قال به إمامنا الشافعي من مآثر الحكمة التي بها نستشهد، والبعض منا يعتبرها منهاجاً لسلوكه. |
|
ومن أقواله التي يدركها الجميع ما هو شعر، أو نثر، فهو القائل: |
|
دع الأيام تفعل ما تشاء |
|
وطب نفساً إذا حكم القضاء |
|
كما أنه القائل: (رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب ومن جاء بأفضل منه قبلناه)، وكلا القولين حاجة للناس، ومدخل نعرف من خلاله عمق فكره وحكمته، وربما معاناته، فما أستنتجه من خلال الشطر الأول دعوة لقبول حدث أو أحداث تمثل مصيراً للإنسان فلابد وأن تقع، وهي مقبولة بالضرورة، ولكن أن تكون من خلال فهم وإيمان ما يؤكد تميز حالة التفاعل بين الإنسان والمجهول، ومن خلال الشطر الثاني فإن ذلك إشارة للقضاء وليس الأقدار، حيث القضاء أمر حتمي لا إرادة لنا معه سنواجهه بالضرورة كما شاء ويشاء الخالق عز وجل، فمما أتصوره أن استخدامه للفظة القضاء لهدف ومعنى؛ حيث إن بعض الأقدار قد نتحمل جزءاً من صيرورتها، ولعلنا نتذكر ما قال به الفاروق -رضي الله عنه- وهو قول أشير له بالمعنى: (تهرب من أقدارك لأقدارك). |
|
والمثال على هذا، أن بعضاً من الحوادث قد تصيبنا ونحن طرف فيها لإهمال أو مبالغة أو اضطراب في سلوك الإنسان، فمن يقدم على الانتحار أمره باختياره، ومن يتجاوز إشارة المرور ويتعرض لحادث قد تنتج عنه إصابات موجعة لقاطع الإشارة، وقد يموت أحد ركاب العربة الأخرى، وقاطع الإشارة بعمد وسوء في القيادة جاء بهذه النتيجة، فما أصابه قدر شارك في حدوثه، أما ما وقع بالطرف الآخر قضاء حل به، وهو أجله الذي لا مفر منه، يقول المولى عز وجل: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} «195» سورة البقرة. |
|
وعوداً على مطلع قصيدة إمامنا الشافعي أضيف بأن الشطر الأول دعوة إيمانية تؤكد الاحتساب، والشطر الثاني دعوة للصبر، فكل قضاء كتب على الإنسان لابد وأن يحدث مهما تنوعت أسباب الحيطة والحذر، فتقبل هذا القضاء لا علاقة له بالحدث بقدر ما يؤكد على الحالة النفسية لمن يتعرض له سواء كان هذا القضاء مصدراً لألم أو سرور، ولأن القضاء لا يرده إلا من كتبه فالجزع قد يضاعف السيئات، والصبر كنز من الحسنات بإذنه تعالى. |
|
أما ذلك القضاء الذي هو مصدر للسرور، فالاعتدال في رد الفعل أفضل من المبالغة في الفرح، فقد نفرح ونبالغ في ذلك ونحن من يجهل تبعات ما نحن فرحون به، وأتذكر أن شاباً خرج من جامعة الملك سعود قبل سنوات، وقد طغى عليه السرور والفرح والبهجة مما أفقده – فيما أتصور – توازن الحركة وهو يقطع الطريق فصدمته عربة يقودها سائق يبدو أنه كان مسرعاً فأرداه قتيلاً وبيده أوراق تخرجه من الجامعة، فلا غرابة أن يفرح ويبتهج، والقصد ما آلت إليه الحال بين فرح وموت، وفي ذلك عبرة ومعنى يحدد ما يجب من سلوك للإنسان مع كل أمر يصادفه على طريق الحياة، يقول المولى عز وجل: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} «22-23» سورة الحديد. |
|
أود أن يتكرم القارئ بتفهم مقاصدي، فأنا لست بصدد شرح البيت الشعري بقدر ما أحاول استنتاج وتأمل الظرف الذي قيل فيه، والحالة النفسية المصاحبة له، وهي وقفة مع هذا البيت من الشعر فقط مدركاً أن تمام القصيدة قد يضيف أبعاداً لست بصددها. |
|
وإمامنا – رحمه الله – بلغ في الحكمة قمتها، وفي بعد النظر غايته، كما أكد ثقته في الجهد الإنساني، وهو الذي يدرك ما ينتاب هذا الجهد من نقص وضعف، والذي أكده في مقولته المشهورة حول (الرأي ما بين الصواب والخطأ)، وفي هذا تأكيد لاحترام الرأي الآخر، فلا يصادره بل يتلمس بعضاً من الصواب فيه، حيث الاستفادة كما أنه دافع لمراجعة رأيه في نفس الوقت، ويرافق ذلك حالة من الإنصاف، وإقرار بحقيقة المخلوق أمام خالقه، حيث يتبين من خلال ذلك البعد الإيماني من خلال ما قال به. |
|
إن كل ما جاء في هذا المقال لا علاقة له بتفاصيل من حول الإمام الشافعي، وما الإشارة لما سبق إلا تأكيداً؛ لأن هؤلاء بالحكمة والعقل وبعد النظر وضعوا لأنفسهم ولغيرهم قواعد تطمئن معها النفوس بزخم إيماني عميق وراسخ، وربما استنتجت أن الإمام الشافعي فيما أوردته من قول له كان شديد القرب والتأثر بما جاء في سورة (العصر) التي لا قبل ولا بعد محتواها من شيء يقبل الاجتهاد أو التأويل، فالصورة بوضوحها ودلالاتها خير موجّه يقود إلى النجاة، والنعيم الذي نؤمله ونرجوه بعمق إيماننا برحمة الله عز وجل، كما أن في هذا ما يذكرنا من خلال تراث الإمام – رضي الله عنه – ما هو حافز للثقة والأمل والعزيمة؛ فنحن أحفاد هؤلاء العمالقة ولعلنا نبحث عن رابط أو علاقة جينية تدفع بما هو راكد إلى حركة تعتمد على منهاج حضاري لا غربة لنا معه، ولا هو كذلك. |
أرسلت فى الجزيره 2007 | Leave a Comment »