|
كل فلسطيني يعرف عبد القادر الحسيني، والقسّام والنشاشيبي، وعبد الهادي وبقية أفراد عائلة الحسيني، وفي مقدمة من يعرف ذلك القادة في فلسطين سواء من فتح أو حماس أو بقية الفصائل، وحاضرنا يلقي بالدرس والعبرة، وأمس مليء بالدروس والعبر، فمتى يستقيم طريق الجهاد والنضال سواء كان سياسياً أو بالسلاح؟….. |
|
…..ولنتذكر بالذات الرمز عبد القادر الحسيني والقسّام، فعبد القادر كان طالباً عاد من القاهرة إلى القدس يملؤه الأمل والسرور بقضاء إجازة ممتعة، وحين وصوله وجد القدس تشتعل، والرصاص يزاحم الحجر، ودوي المتفجرات قد ملأ سماء وأرض القدس. |
|
إذن هي معركة بين أبناء القدس، وقوات الاستعمار البريطاني، وكان هذا في عام 1929م، وتشتد المعارك وبالذات من حول حائط البراق، وبالقرب من المسجد الأقصى. ويومها سُميت بانتفاضة 1929م، وعلى الرغم من مئات الشهداء العرب الفلسطينيين إلا أن قوات المستعمر تكبدت الكثير من القتلى والجرحى والخسائر، وبقي حائط البراق جزءاً من المسجد الأقصى الشريف، ومع عام 1929م لاح للقضية بطلٌ، إنه عبد القادر الحسيني، وتستمر الانتفاضة بلا هوادة لمعظم الأرض الفلسطينية بكاملها، ولقد كانت أوسع مما سبقها من كل انتفاضة مع أن انتفاضة 1936 التي تبعتها كانت أكبر وأشمل. |
|
ولقد أغدق المستعمر السلاح على اليهود، وحاول منع وصول السلاح إلى المجاهدين، والسيد المتربع على عرش الطغيان المندوب السامي تشانسلور، وهو الحاكم الفعلي لفلسطين، عاد مسرعاً من لندن إلى فلسطين، والانتفاضة في مجدها، وقال عن المجاهدين ما يقال اليوم، إرهابيون وهمج ورعاع، وكأن الأرض الفلسطينية قد وهبت له ملكاً خاصا فأطلق التهديد والوعيد، وقابل ذلك وثيقة خطية وقعها موسى كاظم الحسيني رئيس اللجة التنفيذية العربية، وشارك في التوقيع معه مغنم إلياس مغنم، وعوني عبد الهادي، وجمال الحسيني مؤكدين أن مستقبل فلسطين، ومن خلال المستعمر واضحة أهدافه وأنه موجه بالعدوان على العرب لصالح اليهود الصهاينة، وقد أعدم وقتها فؤاد حجازي، وعطاء الزير، ومحمد جمجوم بقرار من المستعمر البريطاني، وتمّ ذلك في 17 يونية 1930م، وعبّر شاعر المرحلة فقال: |
|
يا ظلام السجين خيّم |
|
إننا نهوى الظلاما |
|
ليس بعد الليل إلا |
|
فجر مجدٍ يتسامى |
|
وكان إعدامهم قد أعدّ له برنامج الساعات الثلاث يستفزّ بجانب الإعدام طريقة تنفيذه، ففي كل ساعة يتمّ إعدام واحدٍ منهم ولقد قال الشاعر إبراهيم طوقان عن الساعة الأولى (إعدام فؤاد حجازي): |
|
أنا ساعة النفس الأبيّة |
|
الفضل لي بالأسبقية |
|
أنا بكر ساعات ثلاث |
|
كلها رمز الحمية |
|
قسماً بروحك يا فؤاد |
|
صعدت جوانحها زكية |
|
عاشت نفوس في سبيل |
|
بلادها ذهبت ضحية |
|
الساعة الثانية (محمد جمجوم) |
|
أنا ساعة الموت المشرّف |
|
كل ذي عقل مجيد |
|
بطلي يحطم قيده |
|
رمزاً لتحطيم القيود |
|
قسماً بروح محمدٍ |
|
تلقى الردى حلو الورود |
|
قسماً بأمك عند موتك |
|
وهي تهتف بالنشيد |
|
ما نال من قدم البلاد |
|
أجلّ من أجر الشهيد |
|
الساعة الثالثة (عطا الزير) |
|
أنا ساعة الرجل الصبور |
|
أنا ساعة القلب الكبير |
|
بطلي أشدّ على لقاء الموت |
|
من قمم الصخور |
|
يلقى الإله مخضّب الكفين |
|
في يوم النشور |
|
قسماً بروحك يا عطاء |
|
وجنة الملك القدير |
|
وصغارك الأشبال |
|
تبكي الليث بالدمع الغزير |
|
ما أنقذ الوطن المعتدي |
|
غير صبّار جسور |
|
ملحمة من النضال والفداء مع المستعمر البريطاني، وما قيل وبعد قيام ما يسمى بدولة إسرائيل يتواصل النضال وفق قاعدة الدفاع عن الأرض وحب الوطن وطرد المعتدي، وكان نضالاً لا يشوبه شائبة حتى بدأ نوع من صراع تجاوز القضية، وأهداف تحرير الوطن والإنسان في حاضر الأيام. |
|
واعتقادي أن نقطة الانطلاق لأي نضال وكفاح هي إنكار الذات وأهواء النفس، فالدفاع عن الإنسان وعرضه وأرضه أسمى من كل تصور يعتمد على شخص أو سياسة معالمها الاستبداد بين المناضلين لا سياسة بل نظام وتنظيم للأدوار وفق الهدف والمصير الواحد، ثم إن كل ما يقال، ومنسوباً إلى مفهوم الشرعية هو قول لا يتفق والواقع حيث الشرعية وما تعنيه أو تشير إليه لا يمكن فهمه قبل التحرير وقيام الدولة. اما المشروع فهو حق النضال والكفاح من أجل الهدف. |
|
وما أشرت إليه في المقدمة محاولة أذكر بها الفتح والحماس، وكل من مارس الكفاح وإلى الشعب الفلسطيني بالدرجة الأولى وليس سرداً تاريخياً بقدر ما هو معنى لبدايات الكفاح ورصداً لما يجب الالتزام به حيث اتضحت المعالم، وإن أسباب الكفاح تحرير الأرض والإنسان، ولعل في هذا ما يعين على التمسك بالكفاح حيث لا يتحمل تفرّق جمعٍ من كثير تمثّل في أحداث يتذكرها الكثير من أبناء فلسطين، واليوم الفرقة متى سمح المعنيون بها فإن ظروفها وزمانها تختلف عما سبق فالعدو أقوى من ذي قبل، ومن يسانده مندفع بلا حساب والواقع يؤكد أن الدولة المسماة بإسرائيل هي من يمارس السلطة على الأرض ويسندها في ذلك قوى الشر وبالذات حين تكون الفرقة والصراع هو المهيمن على الساحة وفي ذلك الفرصة التي إن لم تكن قد صاغتها تلك القوى الشريرة فهي تعرف وسيلة استغلالها، ولا بد أن أشير إلى فتح وإلى حماس فالتاريخ بالمرصاد يسجل، وفرصة تحليل ما يحدث متاحة وهي أقرب إلى الصواب متى أخذت بها روح الإنصاف والبعد عن الأهواء أو التحيّز لطرف على آخر أو على حسابه، فما يحدث وهو حادث لم نتصوره لكثرة ما يردده الجميع حول المحرّم والخطوط الحمراء. |
|
إنّ ما أكتبه والألم يستبدّ بي، ولكنّ الأمل والحلّ بيد الشعب نفسه، والانحراف عن المستقيم لا يصلحه إلاّ الشعب، وفي مقدمتهم رجال نعرفهم تميّزوا بالحكمة والعقل والمقدرة التي تنبض بالوطنية وذات أبعادٍ في جذورها العربية والإسلامية. |
|
ولعلي أؤكد بأن الأمس لم يخلُ من نواقص أخلّت بالكفاح فعجزنا عن تحقيق شيء على مدى ستين عاماً مضت، وعجزنا ليس ضعفاً بقدر ما هو فوضى في الإستراتيجية والتخطيط، واليوم تتكرر المأساة. |
|
وفي الثلاثينيات من القرن الماضي احتدمت الخلافات بين الزعامات الفلسطينية التي كانت ممثلة بثلاث عوائل، وهي الحسيني والنشاشيبي وعبد الهادي لدرجة أنهم كادوا أن ينسوا القضية الأساسية جاعلين جلّ همهم التحريض ضد بعضهم البعض، الأمر الذي جعل الكثيرين يتبرمون ويتذمرون، وشاهد ذلك العصر الشاعر إبراهيم طوقان الشاعر الفلسطيني المرموق، فلقد قال مخاطباً الزعامات الفلسطينية تحت عنوان: (أنتم المخلصون للوطنية): |
|
أنت المخلصون للوطنية |
|
أنتم الحاملون عبء القضية |
|
أنتم العاملون من غير قول |
|
بارك الله في الزنود القوية |
|
وبيان منكم يعادل جيشاً |
|
بمعدات زحفه الحربية |
|
واجتماع منكم برد علينا |
|
غابر المجد من فتوح أمية |
|
وخلاص البلاد صار على الباب |
|
وجاءت أعياده الوردية |
|
ما جحدنا أفضالكم غير أنا |
|
لم تزول في نفوسنا أمنية |
|
في يدينا بقية من بلاد |
|
فاستريحوا كي لا تطير البقية |
|
لم تسترح الزعامات، وطارت البلاد كلها مع البقية, وما أشبه الليلة بالبارحة، بالأمس عوائل تتصارع واليوم أحزاب تتقاتل بالحديد والنار الذي كان يُفترض أن يوجه إلى صدر العدو النادر في عدوانه، ويحترق فؤاد (إبراهيم طوقان) ألماً فيصف الوضع المأساوي في حرقة حيث قال: |
|
أمامك ايها العربي يوم |
|
تشيب لهوله سود النواصي |
|
وأنت كما عهدتك لا تبالي |
|
بغير مظاهر العبث الرخاص |
|
فلا رحب القصور غداً بباق |
|
لساكنها، ولا ضيق الخصاص |
|
لنا خصمان ذو حول وطول(1) |
|
وآخر ذو احتيال واقتناص(2) |
|
تواصوا بينهم فأتى وبالاً |
|
وإذا لالاً لنا ذاك التواصي |
|
مناهج للإبادة واضحات |
|
بالحسنى تنفذ والرصاص |
|
وعلى هامش الذكرى والعبرة ففي لمحة عن قصة مختصرها أن صاحب السمو الأمير سعود بن عبد العزيز حين كان ولي عهد المؤسس رحمهم الله، وذلك في عام 14-8- 1935 كان في زيارة لفلسطين، وبعد انتهاء الزيارة رغب رحمه الله في زيارة القدس، وفي طريقه استوقفه طلاب مدرسة (عنبته الابتدائية)، وبرفقتهم المعلم عبد الرحيم محمود، وأثناء استراحة قصيرة لسموه معهم قال المعلم مخاطباً سموه رحمه الله بقوله: |
|
يا ذا الأمير أمامك شاعر |
|
صُمّت على الشكوى المريرة أضلعه |
|
المسجد الأقصى أجئت تزوره |
|
أم جئت من قبل الضياع تودعه |
|
الأمس واليوم وإن تغيرت الألوان فلا شيء مخطط له غير السلطة بلا دولة، وعلى أرض محتلة يحكمها العدو، ويكفي مثالاً ما تعرّض له الشعب الفلسطيني من ضيق في رزقه ومعيشته، ولا زال بيد العدو أن يتلاعب بهذه الورقة، ومع كل تفهم لا أسف معه نقول: هذا عالمنا المختصر سواء الرباعية أو من يتلقى الأمر منها من دول العالم أجمع يحاربون الفلسطيني في لقمة عيشه. |
|
إنه تعبير حضاري لم يؤرخ أحد لمثال يشبهه، فالحضارة تلك قوة على الحق وليست بقوة الحق، ومع ذلك فالشعب الفلسطيني أكثر تحضراً ومجداً وصبراً تسنده إرادة قوية وعزيمة لا يقهرها أي معتدٍ أو عدوان وإن طال مداه، وهم من نبني عليهم كل الأمل، فهل يقبلون بمثل هذا فيما بين غزّة بسكانها الذين يقاربون المليونين، والضفة العربية حيث مقر السلطة الفلسطينية. |
|
ولذا ذكرتُ بعبد القادر الحسيني والقسّام (سوري الجنسية) المناضل العربي والكل يعرف عنه المزيد، وتعرضت إلى آخر خلاف بين عوائل يتكرر الآن بين أحزاب (عوائل كبيرة)، فعلى الجميع مخافة الله والحرص على الوطن والقضية وذلك يستدعي الكثير من الحكمة ومعالجة الموقف برؤية بعيدة النظر تتجاوز الصح أو الخطأ ما دام أن الصح الأكبر تحرير الأرض وعودة أبنائها. |
|
ارفقوا بالقضية وبنا قبل فوات الأوان وقهر الظالم القريب منا مكاناً والأبعد، وما دعوتهم لاجتماعات مشبوهة إلا مسعى يحقق أغراضاً لا علاقة لها بالقضية، ولكنه التورط وخبث المقاصد. |
|
(1) الإنجليز |
|
(2) الصهاينة |