التفكير والتفكر عملية عقلية لا تعتمد مباشرة على شيء من المؤثرات الحسية الخارجية ولكن أدواته المفاهيم التي تتكون لدى الإنسان في مراحله الأولى (السنوات الخمس من عمره غالباً) وذلك من واقع معايشته لكل ما حوله سواء ما يسكن في ذاكرته أو من خلال التعليم،
وعملية التعليم ترمز إلى معاني الأشياء،
ومجموع هذه المفاهيم أو بعضها يكون المبادئ، والقواعد التي على أساسها تتكون القدرة على التفكير.
وبهذه القدرة نستطيع أن نحول الأشياء إلى معانٍ مفهومة، ولهذا فإن السنوات الخمس بعد الولادة تشكل الأساس في بناء شخصية الإنسان دون تناقض بين المنهج والتطبيق يضاف إلى هذا ما يرثه من جينات ووفق طبيعة ما خُلق به.وأن يُخلق الإنسان على الفطرة فإن ذلك ليس في أمور العقيدة فقط، بل هو بالفطرة في أحسن تقويم، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (4) سورة التين، وكل أمر يتطور به إما أن يكون تطوراً حسنا أو سيئا، {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا} (79)سورة النساء. وحتى يكون هذا التطور وفق محتوى تفكيري راشد وشخصية سوية، فإن هذا يعتمد على الأساس الذي بدأ مع تطوره في مراحله المبكرة، وعلى هذا الأساس سيدرك الإنسان قيم العقيدة والمجتمع وما توجه به الفطرة، وهذا يهيئه إلى مراحل أفضل يتطور من خلالها بالتعليم والخبرة وتجارب الحياة.
ولعل من الأمثلة التي تتفق وهذا السياق بعض من اللمحات عن رينيه ديكارت، الذي ولد في عام 1596، ولم يكمل دراسته بل كان كارهاً لها، وقد ترك الدراسة النظامية معتمداً على دافع ملح محتواه أن البداية في أن يتعمق في نفسه ليعرف ما أمكن عنها، وما حول نفسه من عوالم الكون والحياة.
ولمرحلة من حياته اعتزل كل شيء، وأنزوى مع نفسه في هولندا عشرين سنة، ومما لاحظه واستنتجه أنه يفكر فهو موجود، وأن لهذا الوجود خالقاً، فكان يقرّ بوجوده، وهو الذي قال ما معناه (ألاحظ اختلاف الناس فيما يفكرون به، وأن الحواس تخدعنا في كثير من الأحيان، وكذلك العقل).
ولقد سبقه في هذا الإدراك أبو حامد الغزالي، وهذا هو الأساس للشك المنهجي الذي كان من محصلته تساؤلات أو بعض من تساؤلات عن الكون والإنسان، ومن يدبر أمرها، حيث يؤكد أن العلم بهذا الكون والإنسان قد لا يكون بالعقل فقط حيث العقل كثيرا ما يؤدي بنا إلى الخطأ والزلل، وعلى هذا الأساس فنحن عرضة للشك في وجود الله، وبهذا ينهدم علمنا بأجمعه ومع ذلك ستبقى أمامي حقيقة واحدة تبقى أمام الشك الجارف، وستظل ثابتة لا تميل أمام عاصفة الأفكار وتقلباتها، بل ستزداد يقيناً بالشك والإنكار، وتلك الحقيقة هي أن هناك ذاتاً تشك، فإن من الشك نفسه تتولد حقيقة لا سبل إلى الطعن بها، وبوجودها، وهي وجود الذات التي تشك، وما دمت أشك فأنا أفكر.
ومن هذ المنطلق يصل إلى إثبات وجود الله حيث يشير في قوله أنك إذا استعرضت أفكارك صادقت بينها فكرة ممتازة، وهي فكرة الذات الأزلية والأنانية، بينما الإنسان كائن نهائي محدود وبديهي، والصورة لا يمكن أن تكون أشمل من أصلها، وألا يكون المسبب أكبر من سببه حيث يستحيل أن يتفرع الشيء من لا شيء، وإذن لا يمكن أن تنشأ ذات لا نهائية من كائن نهائي محدود.
ومن هنا حق علينا أن نسلم بوجود الله الجامع لكل صفات الكمال، وهو الذي خلق في الإنسان هذه الفكرة وألهمه إياها، فالله تعالى موجود وليس في وجوده شك.والإشارة إلى ديكارت ورحلته مع الشك المنهجي، ومن خلال معادلات فلسفية يصل إلى حقيقة بالنسبة لنا نحن المسلمون جاء بها رسولنا الكريم، وتنزل بها وحي عظيم، ولا أدري بتفاصيل ما لديه من اطلاع حول العقائد، إلا أن شيئاً قد خُلق في البشر أخذ به مع الشك المنهجي ما بين العقل والفطرة، وكان للعقل مهمة التحليل والتصور، أما حقيقة ما اهتدى إليه فهو بأثر الفطرة التي خُلقت لحظة خُلق ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) وربما أن ديكارت له من هذا نصيب، كما أن استعراض أمر كهذا من خلال رحلته مع الكون والإنسان حتى يصل إلى نتيجة تؤكد أن لا شيء خُلق عبثاً في هذا الوجود بل محكم تدبيره بأمر الله، والخلاصة أنه بالمعرفة والتفكير في الكون والإنسان اهتدى إلى أن هذا كله له خالق ومدبر، وبهذا تحقق له الاستقرار النفسي الذي أدى إلى تصالحه مع نفسه حيث قمة ما يتوجب إدراكه أن الإنسان فيما يدرك، أو ما لا يدرك ليس من صياغة الطبيعة أو وليد الصدفة بل له خالق قادر قدير، وجبار مهيمن. وفي قصة (حي بن يقظان) لابن طفيل معنى ومعان حول الفطرة وأثرها في حياة البشر، فمن سارت به الفطرة استقام له الطريق.