تسأل صديقك عن حاله وفي الغالب يكون جوابه كالعادة، فهو في حالة من الرتابة كما تدل على ذلك إجابته. وحال كتلك معرضة أن يصيبها إحباط وتراجع في الحيوية، وهذه الظاهرة لها انعكاس سلبي على الفرد، وبالتالي على المجتمع وتناقص في قدرته الإنتاجية، وأجزم أن الكل يبحث عن الحل كما أبحث عن ذلك لنفسي، فلنسأل لماذا ونبحث عن مكمن السبب.
وفي اعتقادي أن من وراء ذلك مجموعة من الأسباب، منها أسباب أسرية، وبعض من خلل في علاقة الفرد بالصديق أو القريب، وهذا على مستوى شخصي، أما الأسباب التي قد تنطبق غالباً على الكثير منا فيمكن تلخيصها على النحو التالي:
الوعي وطبيعة الإحساس، فالوعي يعين على فهم الدافع وكذلك السبب ويقدر على تحليله والبحث عن أكثر من مخرج، والإحساس يلعب دوراً مهماً، فقد تزداد رهافة الحس فيكون الاستقبال لما حوله أو يأتي إليه مصدر قلق، ومعه تتداخل أحاسيس على غيرها من الأحاسيس فترتبك النفس.
أو أسباب تتعلق باقتصاديات الفرد فتشح لدى فئة فيعاني أفرادها من فوضى الصرف ما بين العجز والرغبة، ومسؤوليته تجاه أفراد أسرته، كما أن الغنى قد يؤدي لدى البعض إلى فوضى نفسية لأسباب منها الشح والطمع والعجز عن توظيف أمواله بالشكل الصحيح والمثمر، فهو في حالة من القلق ما بين الخسارة والربح، بل أصبح مملوكاً لماله وليس بالمالك.
ولمن يعنيه حال الأمة فالإعلام وهو يؤدي رسالته ينقل من الأخبار المدعمة بمشاهد حية ما يؤذي النفس ويقتل الأمل والاطمئنان، وكل فرد يخرج بانطباع نفسي يشتد أو ينعدم الإحساس مع تلك المشاهد حيث التكرار، وكلاهما لا يرى إشراقة لمستقبل واعد.
وأمر آخر على درجة من الأهمية والتأثير، وذلك ما يتعلق بالعقيدة، فنجد البعض قد التزم الوسطية، والآخر يبالغ متزمتاً برفض معظم ما حوله، والأخير مفرط بضمير يحاسبه، أو مفرط لا يحس بأثر لتفريطه، ولكل حالة أثرها على النفس وبالذات جانبها الروحي. كما أن العلم والمعرفة من أسباب سعة الأفق، وهذا أنجع الوسائل لحوار مع النفس تنجلي معه بعض من رواسب النفس.
ومن الأسباب ما هو في دائرة العرف والتقاليد، فيستجيب لها البعض كأمر لا بد منه مفروض ومسلم به دون مراجعة أو فرز لما يتوجب الحفاظ عليه وترك ما هو عبء على العقل والنفس وانسياب الحركة بين أفراد المجتمع.
ومن الأسباب علاقة الفرد بالأقرباء، فالدين والعرف والواجب يحتم صلة الرحم بدون تقصير، قد يصاحبه إحساس بعدم المبالاة.
أو إن إحساسه بذلك يخلق حالة من عتب الضمير بما يؤثر سلباً على استقراره النفسي.
وشيء آخر، أن البعض منّا قد يمارس بعض القيم بطريقة خاطئة. فمثلاً الكرم، قد يتصور البعض أن إكرامه للآخرين دون إتاحة الفرصة لهم لإكرامه سلوك سوي، وهذا يخل بالقيمة ويؤثر على النفوس.
ومن المؤكد أن الأمن النفسي وبتراكمه دافع لأمن المجتمع بأكمله، فبالإيمان والوعي تتحطم منعطفات من حول النفس نراها على غير ما هي كسبب أساسي دون أن نعرف، فنحسّ بالضيق دون أن ندرك أن ضيق الصدر من ضيق الوعي، وحيث إن الأقدار والقضاء بيد الله عزَّ وجلَّ وهذا اعتقاد يؤكد ما للعقيدة من واجب وأثر على النفس، بل إن كل الأمور بقضاء وقدر فما الداعي للخوف والفوضى النفسية، فالتركيز على دواعي ما ينظم علاقة الفرد بكل شيء هو حياة بالنسبة له، وبالقدر الممكن والمستطاع، ومن وراء هذا ومن أمامه توكل على الله وآمِن بقدرته ومشيئته ورحمته.
وفي المنهاج القرآني الكثير مما تطمئن به النفوس، والكثير مما يصقل الوعي فيدرك أحدنا ويسلم أن النفس البشرية من آيات الله سبحانه وتعالى قد ندرك بعضاً من ملامحها ونجهل الكثير، ووفق المشيئة الربانية تأخذ بنا إرادة الله إلى خير ما نتمنى متى أدركنا أن كل إساءة للنفس نحن مصدرها، وفي الإحسان إليها نعمة من الله، فمن توافر له هذا الرصيد الروحي العظيم واعتمد عليه، ومن ثم على وعيه، فلا مجال للخوف أو ارتباك النفس حيث قال الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}(38) سورة البقرة.
ولقد قال بعزة جلاله {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}(29) سورة الإسراء. وهذا توجيه لا أعتقد أنه خاص بالمال فقط، بل كل الأمور التي تؤكد الحلّ من خلال الوسطية. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال). كما أن استيعاب المشكلة مكمن الحل، وأن تسليط العقل على خلجات النفس عائد بالأمن إن شاء الله.