أن يكتب أحدنا بدافع من مشاعره، واعتماداً على ما يحب أو يكره، وكذلك ما يتمنى ويرفض لأمر مختلف عن الكتابة بدافع من هذا كله، ومضاف إليه المؤكد من معلومات وبعض من تفاصيل الحدث الذي نحن بصدده. الصورة من أمامي قد تكون رمادية أو ظلامية أو هلامية،،،،،
فمصادر الأخبار متناقضة وغير موثقة بالطريقة التي تمكن من جلاء الحقيقة، ولا سيما أن الموضوع بين طرفين كل منهما له توجه مختلف يعتمد معه سياسة قد يتبين معها التباين أو حدة في الاختلاف والخلاف.
فلقد استمعت إلى حديث الأخ خالد مشعل فأحسست أنني في حالة من التفاؤل، وأقرب إلى أن أقتنع بمعظم ما قال به، وسمعت وشاهدت محللين لكل منهم وجهة نظره.
وأخيراً الكل استمع إلى خطاب الأخ أبو مازن، وأمام حديث الأخ خالد مشعل مقابل حديث الأخ أبو مازن يكمن الإشكال، ويصعب الاستنتاج.
وفريدمان كتب مقالاً (في جريدة الشرق الأوسط) ركز من خلاله على لبس الأقنعة لمقاتلي حماس وفتح، وانتهى إلى ما انتهى إليه، والله أعلم.
وكتب الأستاذ الكبير أمين هويدي وأصاب في تفاؤله بتشكيل لجنة تقصي على أثر انعقاد مجلس وزارء الخارجية العرب، ومع ذلك فالغامض يزداد في أيامنا تلك التي آمل ألا تطول.
وعلى هامش ما حدث وكل ما يحدث فمن الأرجح أن من يقاتل أخاه وشريكه في الوطن والأمل والهدف والمصير يشير إلى أن الجميع تنازلوا وتراجعوا عن جوهر القضية (تحرير الأرض والإنسان)، وأعطوا الفرصة لعدوهم أن يوجه بوصلته وفق أقصى ما يتمنى، ويكشف عن كل مخبوء يفوق كل ما سبق من قتل للحياة، وللإنسان، ولا سيما أن الدولة التي ترعاه تلتقي قيادتها بقيادة المحتلّ، وليس في الأمر صدفة كما أتوقع، وسبق ذلك كثير من أفعال وأقوال وتصريحات تنسجم ومخطط قائم نعاني منه في العراق ولبنان والأرض المحتلة، وقد يكون القادم أشد وطأة على المنطقة بكاملها.
الأمر خطير على قضيتنا التي تجاوزت قسوتها وتاريخها عقوداً تقترب من عقدها السادس، فإن أحسّ بذلك وما سبقه وما يليه الشعب العربي والإسلامي، وقاد هذا الإحساس قادة الأمة العربية -وفقهم الله- لحماية أمن وسلامة الأجيال القادمة، ومن هو شاهد على هذا العصر، وألا يتركوا الأمر دون قرار وخطة عمل لا تنازل معها أو تراجع، حازمة، صارمة لتكون بيد وزراء الخارجية والأمين العام للجامعة العربية لعلاج الخطيئة أيا كان مصدرها؛ فالنتائج التي نأملها وسترسم مستقبلنا القادم وفق معادلات تؤثر وتفعَّل من خلال إجماع يتمخض عنه خطة عمل تتصدى لما يحدث في الأرض المحتلة بين الفريقين، وعلى كل مستوى سواء كان إقليميا أو دولياً.
بمعنى آخر القضاء على خطر قبل أن يستفحل من خلال قرارات مختلفة شكلاً وموضوعاً، قرارات تطبق فوراً على كل المستويات التي أشرت إليها، فالحال تجاوزت الأخذ والعطاء والتشاور، بل كل ما هو سياسي إلى مرحلة تتطلب موقفاً حازماً لا أدري هل يحسب على السياسة التقليدية أم على الحزم وإدراك المصير الواحد، والموقف القاطع مقدور عليه، وفي طاقة الأمة وقادتها لا سيما أن هناك نية إلى عقد مؤتمرات دولية أو الدعوة إليها، هل نشارك ونشرك الصديق والعدو حيث أي قرار من خلال هذا المؤتمر يذكرنا بما وصلت إليه الحال التي شارك في صياغتها (كامب ديفيد واوسلو)، فلابد من قرار عربي وإسلامي مسؤول يلحق به عمل مطابق نأمل معه العلاج والحل.
فيما أكتب يتحتم أن أشير إلى أن هذه المحاولة أقرب إلى جهد الرؤية، والاجتهاد باب مفتوح تعبر من خلاله كل الآراء والتصورات، ومن بيده القرار وسلطة العمل أقدر على الاختيار والحركة التي لابد منها أمام أحداث تمزق الوطن العربي.
فالعراق مأساة، ويكفي مثال واحد، فالذي غادر العراق ضيفا على بعض الدول العربية من واقع معاناته يكفي كدافع لحركة إيجابية مؤثرة، ولبنان على وشك أن يكرر ماضياً لا ينسى، ساد فيه الحقد والكراهية والانتصار للطائفية على حساب الوطن، وفلسطين تواجه وتوجّه صدمة للتاريخ الفلسطيني بالذات، والعربي بشكل أعم.
وإن تركنا الأمور على غاربها أو ملامسة الحل فستلحق بالأمة وأرضها آثار من هذا المنعطف التاريخي، ونؤكد للعالم أننا أمة تنازلت عن حق تمسكنا به على مدى العقود الست الماضية لنفرط فيه بعد ذلك، وأصبحنا مثل من يلامس الجسد المريض ويمسح على رأسه، وكل ما في جعبته ليس بأكثر من تمني العاجز، وسيدفع بالطامعين والأعداء إلى مواقف شرسة محسوبة على ما سبقها من شراسة عانينا منها أول لحظة خضعت أرض عربية إلى استعمار أجنبي طاغ.
اليوم له غد، وكلاهما له أمس، دعونا ننسى كل أمس مضى إلا أمس أضاء بالإيمان والعزيمة والحزم والبصيرة والتبصر الذي تحقق معه، وبه أمجاد ليس الهدف أن نستردها، ويكفينا درء أخطار لها ملامح واضحة جلية لا يجوز أن تغيب عنها حسابات تأخذ بها دلالات حسابية على قاعدة المكان والزمان والإمكان، فليكن زماناً ومكاناً وإمكانا يحقق بكل الوسائل ما يحسب على بداية لإمكان يصيغ زمانه ومكانه القدرة والإرادة، ولا سيما أننا مع البدايات التي تلون الصورة التي قد تم رسمها مسبقاً، فشنين الكارثة يدفع بنا إلى أن نراجع ماضي الأدوار التي ساهمت في أحداث اليوم وبين شركاء النضال.
أدوار قد تكون إقليمية أو دولية، وأمر آخر، فمنا من أخذ بالحكمة فهو يحاول لملمة ما تبعثر من جوهر القضية، وآخر أخذت به العجلة نحو إجراءات تزيد من التهاب الجرح وعنف المأساة. إنها محطات للتفكير والاستنتاج ليستقيم التفكير؛ فالمؤتمر الرباعي الذي انعقد وانتهى والكل قد تابع نتائجه، وعلى الرغم من أن هذا المؤتمر قد قيل إن النية بانعقاده سبقت الأحداث التي لا زال لهيب نيرانها في تصاعد لا يعلم بمداه وأثره إلا الله عز وجل، وبعيداً عن كل الشكوك أو التخبط في الاجتهادات فلا يستطيع أحد أن يراهن أو يساوم على دور قاهرة المعز، وكل اجتهاد تبذله وبذلته من أجل القضية فلسطين، وفلسطين القضية، وبحكم الدور القيادي لها فالأمل معقود على أمرين، الأول: ما طالب به فخامة الرئيس محمد حسني مبارك حول الحوار واعتماده كوسيلة للحل، والأمل أن يقفو جهد مصر كلها حتى يتحقق ذلك. وما سبقه من إجراءات هنا أو هناك تشملها محفظة الحدث بكامله، والثاني: وهو أمر لا إضافة عليه، فمن خلال الاتفاق الذي تم بدعوة من المملكة العربية السعودية من خلال نبض قائدها مع قضايا الأمة، والمكان أطهر بقعة في العالم (بيت الله الحرام) معززاً ذلك كله باتفاق في رحابه قطع الطريق على كل المخاوف واطمأنت معه النفوس، وجاءت الفاجعة بتطور أشرنا إلى تعدد ما قيل ويقال بشأنه، ومع ذلك فإن للأمل رحاباً في قلب خادم الحرمين الشريفين -وفقه الله -وأن يوفق الله ما أعلنته القاهرة لنرى التطبيق العملي لما أعلن عنه ليأخذ مكانه بين الفريقين، وهما من المسؤولية في القمة حول كل حل يضمن بقاء القضية ما بين مسؤولية المقاومة الراشدة والجهد السياسي المتزن، وكلا الفريقين (فريق تحتم علينا أن نقول عنه بكل أسف فريقين) ولا مخرج لما نعاني منه إلا من خلال ما سبق الإشارة إليه دون أن يقحم أو يقتحم هذا الإشكال طرف عهدنا منه الإفساد والظلم، وازدواجية المعايير.
القضية عربية، والحل يحتم أن يكون عربياً، وليس في ذلك من حواجز أو سدود تعيق تفعيله ليخرج بأفضل النتائج إن شاء الله.
ولكنه لن يخرج بأفضل النتائج إذا استمر كل فريق يتحامل على الآخر بالكلمة، وما نجهله من أفعال؛ فالقضية كانت في مأزق وكل أبناء الأمة من وراء الشعب الفلسطيني المناضل بالدعم والعطاء والمشاركة الفعالة، واليوم انشطرت القضية إلى قضيتين أو أكثر، وهذا ما لا نطيقه ولا نفهم دواعيه، وإن اجتهادنا في فهم هذه الدواعي فإنه لا تبرر ما حدث، ولسنا بصدد ما هو صحيح أو خطأ بقدر ما يعنينا من المبررات، فالسؤال ما هو المبرر الذي أدى للحدث؟
لقد سمعنا من يقول عن الأمة العربية بأنها ظاهرة صوتية، وأخشى أن أحداث اليوم تؤكد ذلك، وأخيراً يجب أن ندرك أهمية الوقت، فالحسم لا يتحمل ولا يقبل أي تأخير أو تباطؤ أو مناورات أو تآمرات من أي طرف كان، دعونا في سباق مع النصر ولا غير، فلنحدق في كل الأدوار المسؤولة عن صالح القضية والمسؤولة أيضاً عن صالح قضايا ضد القضية، فعسى أن تكشف لنا الأيام ما يضمن مسيرة الجبارين نحو أهداف كبيرة تحرر الإنسان والأرض من طغيان قل مثيله على مدى التاريخ الموغل في قدمه، أو بعض مما نعيشه في عصرنا هذا.